الأيدي الفارغة

لمحة نيوز

الدكاترة كلموا أهلي بعد ما وقعت في حفلة التخرج، بس محدش جه. وأنا في المستشفى، أختي عملتلي تاج في صورة أخيرًا.. رحلة العيلة لباريس، من غير ضغط ولا دراما. مسكت نفسي وما ردتش. بعد كذا يوم، وأنا لسه تعبانة والأجهزة متوصلة بجسمي، لقيت 65 مكالمة فائتة ورسالة واحدة من بابا إحنا محتاجينك، ردي حالًا. ومن غير تفكير، أنا...
اسمي سارة، واليوم اللي كان المفروض ألقي فيه كلمة المتفوقين في حفلة تخرجي من الجامعة، وقعت على المسرح بسبب ورم في المخ محدش كان يعرف عنه حاجة.
المفروض إن دي كانت تكون أكتر لحظة مرعبة في حياتي، بس الحقيقة لأ.
المرعب بجد كان إني فوقت بعد تلات أيام في سرير المستشفى واكتشفت إن أهلي مجوش أصلًا.
قبل التخرج بأسبوعين، كنت واقفة في مطبخ ماما وماسكة نسخة مطبوعة من كلمتي، وهي كانت مشغولة بتنسيق ألوان المناديل لعشاء خطوبة أختي الكبيرة، نورهان. نورهان كانت مخطوبة من حداشر يوم بس، بس في بيتنا الموضوع كان كأنه تتويج ملكي. ورد، منيو أكل، بروفات فساتين، قوايم ضيوف.. كل حاجة كانت مهمة إلا بنتهم اللي هتتخرج الأولى على دفعتها.
قلت بهدوء ماما، ممكن تساعديني أختار حاجة ألبسها في التخرج؟
حتى مابصتليش وقالت إنتي شاطرة وبتعرفي تتصرفي يا سارة، نورهان هي اللي محتاجاني دلوقتي.
كنت عايزة أقول إني أنا كمان محتاجة لها، بس هزيت راسي وسكت، لأن السكوت هو اللي كان مخليني أعدي سنين حياتي بسلام.
بابا، رأفت، ماكنش أحسن منها. كان من نوع الرجالة اللي بتهرب من المشاكل بأنها تعمل نفسها مش شايفاها. لما نورهان كانت بتهزأني، كان بيفضل باصص في موبايله. ولما

ماما كانت بتهملني، كان بيكح ويغير الموضوع. السكوت كان سلاحه المفضل، وكان بيستخدمه كل يوم.
الشخص الوحيد اللي كان مهتم بجد هو جدي، الحاج إبراهيم. كان بيكلمني كل يوم بالليل في الأسبوع ده.
سألني جهزتي الكلمة يا حبيبتي؟
كدبت وقلت له قربت.
جبتي فستان؟
هتصرف.
سكت شوية، جدي كان دايمًا بيفهمني لما أكدب. وبعدين قال جدتك كانت هتبقى فخورة بيكي أوي. أنا هكون موجود في أول صف.. ومعايا ليكي حاجة، حاجة هي كانت شايلاها لليوم ده مخصوص.
قبل ما أسأله هي إيه، نورهان دخلت عليا الأوضة من غير ما تخبط وقالت مبروك على لقب دحيحة الدفعة. المهم، ماشفتيش الجزمة الفضة بتاعتي؟
دي كانت نورهان.. جميلة، لسانها حاد، ومتعودة إن الكل يسامحها.
الصداع بدأ تاني يوم الصبح. ضغط زي السكاكين ورا عيني. وبعدها نزيف من المناخير، ودوخة، ولحظات غريبة كنت بحس فيها إن الأوضة بتلف بيا. قلت لنفسي ده ضغط شغل ومذاكرة، ما أنا كنت شغالة في وظيفتين وبشرب قهوة طول اليوم وبذاكر لحد الفجر. الوجع كان بالنسبة لي حاجة عادية.
في عشاء خطوبة نورهان، قضيت ست ساعات برص الترابيزات وهي كانت بتتصور. وهي بتمضي القايمة وبتحتفل، وقفتني جنبها وضحكت وقالت دي سارة أختي الصغيرة، هتبقى مدرسة أطفال قد الدنيا. كيوت صح؟ مش فاشونستا زينا بس لازم حد يعمل الشغلانة دي.
الكل ضحك.
بعدها بالليل، وأنا بغسل المواعين لوحدي، ماما دخلت وهي مبتسمة.
قالت إحنا مسافرين باريس يوم الجمعة، خطيب نورهان حجز رحلة مفاجأة للعيلة كلها.
اتصدمت وقلت لها بس تخرجي يوم السبت!
ابتسامتها اختفت شوية وقالت إنتي مستقلة وبتقدري تعتمدي على نفسك،
نورهان محتاجة دعم العيلة قبل الجواز.
يوم التخرج الصبح، بعتولي صورة من المطار.
وعلى الضهر، كنت واقفة على المنصة، باصة لجدي في أول صف.
فجأة، وجع انفجر في دماغي.
سمعت صاحبتي مريم وهي بتصرخ باسمي.
الميكروفون وقع على الأرض.
وكل حاجة اسودت.
لما فتحت عيني، أول حاجة شوفتها كانت سقف أبيض وشريط إضاءة فلورسنت مرعوش. تاني حاجة شوفتها كانت جدي وهو نايم على كرسي بلاستيك جنب سريري، ولسه لابس نفس البدلة الكحلي اللي حضر بيها حفلة التخرج.
قميصه كان مكرمش، ووشه كان باين عليه إنه كبر عشر سنين فجأة.
مريم كانت نايمة ومنكمشة على كنبة جنب الحيطة، والماسكرا مبهدلة وشها، وإيدها لسه ماسكة موبايلها كأنها كانت مستنية مكالمة مابتجيش.
حاولت أتكلم بس زوري كان بيحرقني.
جدي صحي في لحظة، ومسك إيدي وهمس سارة.. ماتتحركيش، إنتي في أمان.
أمان.
الكلمة كانت تقيلة وغريبة في الأوضة دي.
مريم أول ما شافتني فقت انفجرت في العياط، وبدأت تحكيلي اللي حصل بالراحة كأنها خايفة إن كل كلمة ممكن تكسرني. قالتلي إني وقعت قدام تلات تلاف بني آدم، ومسعفين الجامعة نقلوني المستشفى فوراً. الأشعة أظهرت ورم ضاغط على مقدمة مخي، وكان لازم عملية جراحية فوراً.
مريم قالت وهي صوتها بيترعش كلموا أهلك..
كنت عارفة الرد من نظرة عينيها، وهمست مجوش.. صح؟
بصت في الأرض وما ردتش.
جدي هو اللي رد أبوكي قال إنهم خلاص بيركبوا الطيارة، وقال إن وجودهم ملوش لازمة دلوقتي وهما في المطار.
فضلت باصة له ومذهولة. وجودهم ملوش لازمة؟ بنته داخلة عملية مخ طارئة وهما لسه مصممين يركبوا الطيارة؟
جدي هو اللي مضى على أوراق
العملية. قبل سنين، أول ما تميت 18 سنة، أصر إني أسجله هو ك جهة اتصال للطوارئ. وقتها افتكرته بيبالغ، بس دلوقتي فهمت.. جدي كان عارف في أعماقه إن أهلي مايؤتمنوش على حياتي.
موبايلي كان على الكومودينو، ولما مريم أدتهولي، لقيت 65 مكالمة فائتة من بابا و رسالة من ماما. للحظة، جالي أمل.. يمكن اتخضوا؟ يمكن ندموا؟
بس قريت أول رسالة كلمينا، لازم نتكلم.
تاني رسالة ردي فوراً.
تالت رسالة ماتصعبيش الموضوع أكتر ما هو صعب.
ولا كلمة بنحبك، ولا أنا آسف، ولا حتى إنتي لسه عايشة؟
مريم خدت الموبايل من إيدي براحة وقالت في حاجة تانية لازم تشوفيها.
فتحت إنستجرام.
نورهان كانت منزلة صورة ليهم كلهم في باريس، واقفين بيضحكوا قدام برج إيفل. بابا وماما واقفين حواليها، وخطيبها تامر حاضنها من وسطها، وماما ماسكة شنط مشتريات ماركات.
والتعليق كان أخيراً.. رحلة العيلة. لا ضغط.. ولا دراما.
لا دراما.
أنا كنت في العناية المركزة ودماغي متدبسة بالخياطة، وعيلتي شافت وجعي مجرد دراما هربوا منها.
في اللحظة دي، حاجة جوايا سكتت تماماً. ماعيطتش.. لأن العياط معناه إن لسه في أمل وأنا بزعل عليه.
بعد خمس أيام، دخلوا عليا أوضة المستشفى.
ماما دخلت الأولى ومعاها بوكيه ورد من المحل اللي تحت. وبابا وراها، وشه باهت ومتخشب. ونورهان دخلت في الآخر، لابسة نضارة شمس كبيرة وماسكة شنطتين ماركات، كأنها دخلت المستشفى بالصدفة وهي بتعمل شوبنج.
ماما قالت إحنا جينا بأسرع ما يمكن.
بصيت لها وقلت إنتي منزلة صور في المتاحف من يومين.
شفايفها اتشنجت وقالت كنا بنحاول نتجاوز الموقف الصعب.
جدي قام من مكانه.
صوته ماكنش عالي، بس الأوضة كلها هديت لما اتكلم.
قال موقف صعب؟
تم نسخ الرابط