جوع من نوع آخر
في البيت بيجرؤ ينطق اسمها.. قلت لهم بوضوح بنتكم مش جعانة شوربة، هي جعانة أمان.
الأب استغرب، بس الأم ضحكت بمرارة عايزة تقولي إن بنتي حالتها كدة عشان ارتباط عاطفي؟
رديت بنتك مابطلتش أكل عشان تعترض على المنيو، هي عملت كدة لما حست إن عالمها مابقاش أمان.
الأب بص لمراته وسألها الست دي حصل لها إيه؟
الأم ردت بتوتر تجاوزت حدودها.. كانت بتهز صوفيا عشان تنيمها، وبتاخد قرارات مكانها، وبتهديها قبلي.. بدأت تتصرف كأنها فرد من العيلة.
صوتها مكنش بيترعش، بس إيديها كانت بتترعش.. الحقيقة إنها مكنتش شريرة، كانت أم غيورة وخايفة، مش قادرة تتحمل إن بنتها محتاجة ست تانية أكتر منها.
سألتها إنتي طردتيها قدام البنت؟
الأم نزلت عينيها صوفيا كانت واقفة على السلم.
الأب اتصدم ومقلتليش؟ بنتنا بتدبل بقالها 14 يوم ومقلتليش إن الموضوع حصل في نفس الوقت؟
الأم ردت بانفعال وكنت هقولك
الكل سكت.. الغنى مبيصلحش الحاجات اللي بنرفض نشوفها في وقتها.. توماس السواق ظهر في آخر الطرقة كأنه عارف إننا هنحتاجه.. ناديت عليه توماس، تعرف بيرتا ساكنة فين؟
الأب بص لي باستنكار، بس مكنش فيه وقت للكبرياء.. توماس هز راسه وقال أيوة يا ست هانم، عارف.
قلت له هاتها هنا فوراً.
الأم اتخضت ده مش هيحصل!
بصيت في عينيها وقلت لها يبقى استعدي تشوفي بنتك وهي بتقفل بوقها تاني من بكرة.
الكلمة كانت قاسية، بس الحقيقة ساعات بتيجي خشنة.. الأب خد القرار وقال هاتها يا توماس.
رجعت لأوضة صوفيا، كانت صاحية ومستنية.. قعدت جنبها وسألتني بصوت واطي بيرتا مشيت بسببي؟
ده كان وجع القلب كله.. صوفيا مكنتش بتدلع، هي كانت بتعاقب نفسها.. فاكرة إنها لو أكلت وعاشت حياتها، يبقى بيرتا ممكن
عينيها املت دموع بس محدش رجعها.
قلت لها لحد النهاردة بس.
بعد 40 دقيقة، سمعنا صوت جري في الطرقة.. الباب اتفتح ودخلت ست في الخمسينات بلس طبي بسيط، عينيها كانت مكسورة من القلق.. أول ما صوفيا شافتها، رفعت إيديها، وبيرتا جريت عليها وهي بتعيط واترمت تحت رجليها يا بنتي.. يا حبيبتي.
الأم كانت واقفة عند الباب حاسة إن القصر بيطردها، والأب واقف مذهول قدام مشهد ميتشريش بفلوس.. صوفيا عيطت كتير، عياط طفلة أخيراً حست إنها في أمان.. بيرتا أخدت المعلقة وبدأت تأكلها واحدة ليكي وواحدة ليا، وصوفيا كانت بتفتح بوقها وبتاكل.
بالليل، القصر مابقاش حصن، بقى بيت مجروح بيحاول يخف.. ريتشارد بلمونت اعتذر لي في مكتبه، قال لي إنه بقاله سنين بيحل أزمات شركات عالمية وفشل يقرأ الخوف في وش بنته.
قلت لها مش عشان أنا أحسن منك، بس عشان بنتك مكنتش محتاجة سيطرة، كانت محتاجة حقيقة.
عيطت واعترفت إنها طردتها من غيرتها ومن كسفتها كأم.. مبررتش غلطها، بس مشتمتهاش.. الأمهات ساعات بيغلطوا لما بيحبوا وهما خايفين.
تاني يوم الصبح صوفيا طلبت توست، والبيت كله احتفل.. بالنسبة لي كان مجرد درس إن البنت ممكن ترجع تاكل، بس الأهم إن العيلة تتعلم تبص لبعض في العين. بيرتا رجعت بشروط واضحة، مش كخادمة في الظل، لكن كفرد مسموع صوته في حياة صوفيا.
اتعلمت يومها إن أخطر أنواع الجوع مش جوع البطن، لكنه
جوع الروح للأمان والصدق. بعد أسبوع، ريتشارد طلبني في مكتبه، مكنش عشان المواعيد، كان فيه ملف مقفول على مكتبه وسؤال هيغير مصير البيت