لقاء في ليلة عاصفة

لمحة نيوز

لأول مرة. ضحكة صغيرة متفاجئة، ولوكاس كان بيبص لها بنظرة فيها حاجة اتكسرت جواه.. لمحة حنية شوفتها في عينيه.
بعد أسبوع، كانوا لسه موجودين. ما بقيناش نتكلم عن السفر. لوكاس صلح باب الزريبة، وسقف العشة، وبدأ البيت يرجع له روح تانية. كنت بفتكر جوليان وأنا شايفة ده، بس مش بذنب، كنت بفتكره بحنين، زي اللي بيعرف يفرق بين إنه خسر حد وبين إنه بيخونه.
بس المشاكل بدأت في البلد. الناس بدأت تتكلم، وفي البلاد الصغيرة الأخبار بتطير. جارتي في السوق سألتني عن الراجل ده، وإفراين بتاع المجلس المحلي وقفني وقالي بيقولوا إنك مسكنة غريب في بيتك يا ست أوفيليا، تعرفي هو هربان من إيه؟. الكلمة دي وجعتني.
لما رجعت، واجهت لوكاس فيه حاجة لازم أعرفها؟. سكت كتير وهو مديني ضهره، وبعدين قال أيوه، بس ما كانش ده وقت الحكاية. أكدت له إن لو فيه خطر يبقى ده الوقت. بص في عيني وحلف لي ما فيش خطر عليكي، ده وعد.
الحقيقة حكاها لي بعد أسبوع. كان شغال عند راجل غني وقوي في تاباسكو اسمه فالينتي باراجان. الراجل ده كان بيشتري السكوت والطاعة. لوكاس قبل الشغل ده لما مراته تعبت
وعاوز فلوس للمستشفيات، وبعد ما ماتت بالحمى، لقى نفسه متورط مع طفلة صغيرة في مكان كله فساد. بدأ يشوف حاجات ما ينفعش يشوفها ورق متزور، شاحنات بتدخل في نص الليل، فلوس مجهولة، وواحد زميله حاول يتكلم واختفى.
فهمت الرسالة، لوكاس قال بصوت واطي، أخدت البنت وشنطتي وهربت قبل ما يجي عليا الدور. بقاله سنتين بيهرب من مكان لمكان عشان مانويلا، خايف يثبت في حتة. سألته شيلت معاك حاجة؟. طلع موبايل قديم وظرف فيه صور لورق وأرقام شاحنات وتواريخ. قولت له ده مش بس خطر عليك، ده يوديهم في داهية.
تاني يوم رحنا لمحامي في بالينكي، وشاف الورق وقال إن الموضوع كبير، وإن الراجل ده متراقب بقالهم فترة بس ناقصهم شاهد زيه. حذرنا إن لو بدأنا، ما فيش رجوع. لوكاس بص لمانويلا وقال عمر ما كان فيه رجوع أصلاً.
الخطر الحقيقي جه بعد تلات أيام. بالليل، قطي خاف وبص للشباك. شوفت خيال بره البيت في الضلمة. صحيت لوكاس، وطلب مني أدخل الأوضة مع مانويلا. سمعت أصوات واطية بره لدقيقتين كأنهم سنين. رجع لوكاس وقالي إن فيه ناس سألوا عليه في البلد، رجالة في عربية سودة.
تواصلنا مع
المحامي، وبعد 48 ساعة جالنا الرد النيابة قبلت الورق ولوكاس ومانويلا دخلوا برنامج حماية شهود. لما قولت له، بص لبعيد وقال مش عارف هعيش إزاي من غير ما أهري. قولت له هتتعلم تقعد، زي ما اتعلمت تهرب.
ده حصل من سنتين.
القضية لسه شغالة، وعدالة الأقوياء بطيئة بس بتتحرك. جمدوا حسابات فالينتي وأراضيه تحت التحقيق. والناس اللي كانت بتهدده ما ظهروش تاني. مانويلا دلوقتي في المدرسة، ومدرستها بتقول إنها بتفهم الدنيا أسرع من سنها. لوكاس فضل هنا.. مش كضيف ولا كعامل، فضل كواحد لقى مكان أخيراً يرتاح فيه.
وأنا فهمت حاجة ما حدش قالهالي قبل كدة إن القلب مش كوباية بتتملي مرة واحدة، القلب زي الأرض، كل ما تخدمها وتتعب فيها، تديك أكتر.
المخدة اللي كان بينام عليها جوليان ما بقتش موجودة. شيلتها في كرتونة فوق الدولاب. ما رمتهاش، الحاجات الغالية ما بتترميش، بس بتتحط في مكان تاني لما دورها يخلص. قولت له بصوت واطي إن ده مش خيانة، إن الحب مش بيخلص عشان الحياة لسه ماشية. هو هيفضل النص الأول من حكايتي، والنص التاني مش بيمسحه، ده بيكمله.
ساعات لسه بقعد في التراس
بالليل. ريحة الأرض المبلولة لسه موجودة، بس دلوقتي البيت فيه نور. فيه صوت مانويلا وهي بتلعب مع القط، وفيه لوكاس وهو قاعد جنبي في صمت، الصمت اللي بقى أجمل حاجة أعرفها. ولما بفتكر ليلة العاصفة والخيالين اللي كانوا ماشيين في الطين، بفهم حاجة
ساعات إنك تنقذ حد، بيبقى هو الطريقة الوحيدة عشان تنقذ نفسك.
وده اللي حصل الليلة دي.. فتحت الباب لغريبين، ومن غير ما أعرف، دخلت الحياة بيتي من تاني.
ومع الوقت، مابقاش لوكاس مجرد حد بيساعدني في الأرض أو بيحمي البيت، بقى هو السند اللي بجد. وفي يوم هادي، والشمس بتغيب ورا المزرعة، طلب مني نربط حياتنا ببعض رسمي قدام الكل.
اتجوزنا في حفلة صغيرة في جنينة البيت، وسط فرحة مانويلا اللي كانت طايرة كأنها لقت أمها من تاني. يومها، وأنا لابسة فستاني البسيط، بصيت للسما وابتسمت لجوليان، وحسيت إنه هو كمان مرتاح ومبسوط لي. النهاردة، لوكاس مابقاش الغريب اللي دخل في المطرة، بقى شريك حياتي اللي كملت معاه المشوار، ومانويلا بقت بنتي اللي ماخلفتهاش، والبيت اللي كان يوم من الأيام ماليان حزن وسكوت، بقى دلوقتى ماليان
دفا وضحك وحياة.

تم نسخ الرابط