لقاء في ليلة عاصفة
مش متعودة أحكي الحكاية دي.
مش عشان مكسوفة، بالعكس.. بس فيه ذكريات الواحدة بتشيلها في قلبها زي حجر النهر الوقت بينعّمه ويشيل حوافه الحامية، بس بيفضل تقيل زي ما هو. ولما باجي أحكيها بحس إن الكلام مش بيوصف كل اللي حصل. بس النهاردة هحكي، عشان فيه ليالي بتغير عمر بحاله، وحياتي اتغيرت في الليلة اللي فتحت فيها باب بيتي وسط العاصفة.
وقتها كنت أرملة بقالي أربعتاشر شهر.
جوزي جوليان مات بسكتة قلبية يوم اتنين الصبح، من غير إنذار ولا وداع، ولا حتى لحقت أفهم إيه اللي بيحصل. أهل البلد قالوا إنه مات بسرعة وما تعذبش، وكان نفسي أصدقهم، بس الصورة اللي فضلت محفورة في خيالي كانت صعبة هو مرمي على الأرض جنب السرير، وإيده مفرودة، وأنا عمالة أنادي عليه في الضلمة وما فيش رد. ومن وقتها، الليالي في مزرعتي الصغيرة اللي على أطراف بالينكي بقت طويلة وكئيبة.
عشان كدة كنت بقعد في التراس.
كل ليلة بعد ما أخلص شغلي، كنت بفضل أهز الكرسي الخشب اللي كان بتاع جوليان وأبص على الطريق الترابي اللي قدام البيت. ما كنتش مستنية حاجة، كنت بس براقب. المطرة يومها بدأت هادية، من النوع اللي بيبدأ كأنه لمسة حنينة وبعدين يقلب عقاب.
كنت متلفحة بشال قديم بتاع أمي لما شوفتهم.
في الأول افتكرتهم خيالات من المطرة، بس بعدها بدأت أميز الملامح راجل وطفلة، ماشيين براحة، غرقانين مية، من غير شمسية ولا جاكيت، كأنهم ماشيين بقالهم ساعات وما بقاش فيهم حيل يجروا. أول فكرة جت في بالي كانت المنطقية يا ساتر، إيه الموقف الصعب ده!، وتاني فكرة كانت الخوف.. أنا ست وحيدة، وبالليل، وفي مكان مقطوع، وأقرب جار ليا ساكن ورا الجدول. وجوليان كان دايماً بيقول إن قلبي أكبر من عقلي.
بس لما بصيت للبنت، كل حاجة اتغيرت.
حتى من بعيد، كان باين إنها صغيرة أوي على إنها تمشي في العاصفة دي وفي الوقت ده. وقبل ما أفكر، رجلي كانت سبقتني ونزلت السلم.
يا ناس! تعالوا هنا! ندهت وسط صوت المطرة فيه سقف هنا!
الراجل وقف مكانه يقيم الموقف، والبنت كانت ماسكة في دراعه. ندهت تاني، وفي الآخر هز راسه وجم ناحية البيت. لما دخلوا في نور اللمبة الصفراء اللي في المدخل، شوفتهم كويس. هو في الثلاثينات أو الأربعينات، طويل، عريض
اتفضلوا قولت وأنا بوسع لهم.
الراجل ما تحركش غير لما ندهت عليه بعيني. هبلل لك الدنيا، قالها بصوت رزين وواطي، من النوع اللي بيوزن كلامه. ردت عليه الأرض بتنشف، إنتوا اللي مش هتنشفوا.
دخلوا، وادتلهم فوط، ودخلت المطبخ سخنت لبن وطلعت عيش وزبدة ومربى. أكل بسيط بس ده اللي كان عندي. لما رجعت، لقيته لسه واقف في مكانه، والبنت قاعدة على الأرض بتبص لصورة متعلقة على الحيطة. سألتني مين الراجل ده؟.
وقفت لحظة والفوط في إيدي ده كان جوزي، ومشي خلاص. البنت بصت لي بجدية غريبة وقالت وماما كمان مشيت.
السكوت اللي حل في الصالة وقتها كان مختلف عن أي سكوت عرفه البيت ده. ما كانش سكوت فراغ، كان سكوت وجعين عرفوا بعض. الراجل قال اسمها
باتوا عندي الليلة دي. جهزت أوضة للبنت ومرتبة في الصالة للوكاس. وقبل ما أنام، شوفت مانويلا صاحية بتبص في السقف في الضلمة. لما سألتها قالت لي إنها بتخاف من الليل. رحت جبت لمبة صغيرة وسبت الباب موارب عشان يدخل لها نور. ندهت عليا وأنا خارجة يا ست...، قولتلها اسمي أوفيليا. كررت اسمي بصوت واطي وقالت شكراً إنك ندهتي علينا. الجملة دي لمست قلبي بطريقة غريبة.
تاني يوم، لقيت مانويلا قاعدة على ترابيزة المطبخ بتبص للزرع بره بذهول. عملت لها أطولي مشروب دافي وشربته بتركيز. لوكاس كان بره بيبص للأفق بوقفة حد مستعد يهرب أو يواجه، مش عارفة مين فيهم. سألته لو هيمشوا، قال لي لو سمحتي، هنقعد النهاردة بس، وبكرة نكمل طريقنا لقدام. ما ضغطتش عليه، فيه أسئلة إجابتها بتيجي لوحدها مع الوقت.
في اليوم ده، اشتغل معايا في الأرض. وريته الأدوات، واشتغل بجدية كأنه اتولد بالفأس في إيده. مانويلا فضلت معايا طول اليوم، بتسأل عن كل حاجة ليه الفراخ بتسكت لما بمسكها كدة؟ ريحة الشجر ده إيه؟ وبقيت أستنى أسئلتها. في اليوم الثالث، لقت قطي البرتقالي