حفيدتي
كنت نايم بقالي بتاع أربعين دقيقة.
ولا كان نوم عادي حتى، كان من النوع العميق اللي ملوش أحلام، اللي مبيجيش غير بعد أسبوع طحنك وخلص على طاقتك وسابك ممتن للهدوء. وأنا في سني ده، تلاتة وستين سنة، مبقتش أنام زي الشباب؛ الراحة بقت بتيجي حتت صغيرة وهشة، بتروح وتيجي زي ضيف تقيل ومتردد. بس في الأربعين دقيقة دول، كنت قدرت فعلاً أغطس في النوم. وفجأة، الموبايل نور الكومودينو زي كشاف استغاثة.
النور الأبيض شق ضلمة الأوضة عندي في ديكاتور، جورجيا، وللحظة فضلت باصص له من غير حركة، قلبي وقف ثانية. جسمي استوعب قبل عقلي؛ واحد وتلاتين سنة شغال محامي أحوال شخصية علموني أخاف من رنة التليفون المتأخرة، زي ما العساكر بيخافوا من صوت موتور مفاجئ في شارع فاضي. مفيش حاجة عدلة بتيجي بعد نص الليل، وبالتأكيد مش الساعة اتنين الصبح.
مديت إيدي وجبت النضارة، لبستها وبصيت على الشاشة. سكايلا. حفيدتي. رديت قبل الرنة التانية.
سكايلا، يا حبيبتي، في إيه؟
في الأول مكنش فيه رد، مجرد صوت نفس. مكنش عياط بالمعنى المفهوم، كان أوحش من كده؛ كان الصوت اللي الطفل بيطلعه لما يكون خلاص عيط لحد ما فضي. شهقات ناشفة ومهزوزة بتيجي بعد ما الدموع تخلص وميفضلش غير الوجع. وبعدين، بصوت ضعيف ومهزوز لدرجة
لقيت نفسي قعدت فجأة، ورجلي على الأرض. قلبي كان بيدق لدرجة إن أطراف صوابعي سقعت.
قلت لها أنا هنا، أنا معاكي.. قولي لي حصل إيه؟
خدت نفس تاني مهزوز. مشوا وسابوني.
في الأول افتكرت إني سمعت غلط. مين اللي مشوا يا حبيبة جدو؟
بابا وماما وأليكس.
وقفت على حيلي. الأوضة لفت بيا شوية في الضلمة وأنا بحاول أستوعب الكلام. أنطوني، ناتالي، أليكس. أبوها، ومرات أبوها، وأخوها الصغير. ضغطت على الموبايل جامد لدرجة إن عقل صوابعي وجعتني.
قولي تاني كده؟
صوتها اتكسر وهي بتقول راحوا ديزني لاند.. راحوا فلوريدا.
مش فاكر إني اتنفست في الكام ثانية اللي جُم بعد كده. فاكر إني كنت واقف حافي على الخشب، وصوت المروحة شغال فوق راسي. فاكر إحساس البرودة اللي بدأ في صدري وانتشر في جسمي كله، زي التلج لما بيدوب في كباية ميه. محدش بيتكلم لما بيتصدم بجد. الغضب بييجي بعدين، والاشتعال بييجي بعدين، لكن في الأول مبيبقاش فيه غير الذهول.
قعدت تاني على طرف السرير. سألتها مين معاكي؟
قالت محدش.
الرد نزل عليا زي اللطمة. محدش؟!
طنط باترسون اللي ساكنة جنبنا قالت لي أخبط عليها لو عوزت حاجة، بس هما مشوا خلاص، مشوا من امبارح بالليل. نفسها اتقطع تاني وكملت قالوا
غمضت عيني. سألتها بحذر وأليكس؟
همست هو كمان معندوش مدرسة.. يا جدو..
نعم يا حبيبتي؟
المرة دي الدموع رجعت تاني، حارة ومكسورة هما ليه مخدونيش معاهم؟
السؤال ده شرخ فيا حاجة. طول حياتي المهنية، وقفت في قاعات محاكم وسمعت ناس بتقول أكاذيب متزوقة على إنها تفسيرات. شفت أمهات بيخسروا حضانة، وآباء بيتنازلوا عن حقوقهم، وأطفال بيتعلموا وهما صغيرين إن الكبار ممكن يختاروا نفسهم ومصلحتهم قبل واجباتهم. كنت شاطر في إني أفضل هادي، ودقيق، وبرتب الحقائق القانونية بنظام بينما مشاعري الشخصية محبوسة ورا سناني. بس وأنا قاعد هناك في الضلمة وحفيدتي بتسألني ليه أهلها راحوا ديزني لاند من غيرها، اضطريت أحط قبضتي على بوقي عشان مطلعش الكلام اللي كنت عايز أقوله.
بدل ده، حافظت على نبرة صوتي هادية. أنتي معملتيش حاجة غلط، سامعاني؟ ولا حاجة واحدة.
أمال ليه؟
قلت لسه مش عارف، بس هعرف.
وقتها، مكنتش مدرك إن ده هيكون أهم وعد في حياتي.
على الساعة 2 11 الصبح، كنت كلمت جوزيف رايت. جوزيف عنده واحد وسبعين سنة، ميكانيكي طيارات متقاعد من شركة دلتا، ويمكن هو الراجل الوحيد اللي أعرفه اللي يرد على تليفون نص الليل وكأنه كان مستنيه.
قال لي من
عايزك تاخد بالك من الكلب.
سكت لحظة وقال لقد إيه؟
مش عارف، كام يوم، وممكن أكتر.
الموضوع يخص حفيدتك؟
بلعت ريقي وقلت أيوه.
مسألش عن تفاصيل. جوزيف كان فيه عيوب كتير كبشر، بس من مميزاته إنه بيعرف إمتى الفضول بيبقى قلة ذوق. قال لي عشر دقايق وأكون عندك، سيب المفتاح تحت القصرية لو كنت مشيت.
ده جوزيف. جيران بقالنا اتنين وعشرين سنة، وعمره ما ادخل في اللي ملوش فيه إلا لو كان فعلاً مهم. حجزت أقرب رحلة طيران عرفت ألاقيها، الساعة 6 15 الصبح من مطار هارتسفيلدجاكسون في أتلانتا. كانت مسافة هبلة متتسمىش طيران أصلاً، بس مكنتش هقدر أسوق ست ساعات في نص الليل. ضهري بقى له رأي دلوقتي، وعكس أغلب الناس في حياتي، هو بيصمم إن صوته يتسمع.
بعدها دخلت مكتب البيت عندي. مش عارف بالظبط ليه فتحت الدرج اللي تحت على الشمال في مكتبي. غريزة يمكن، أو ذاكرة، أو عادة اتكونت على مدار سنين. جوه، تحت كومة ورق قانوني قديم وسلك طابعة بايظ كنت كل شوية أقول هرميه، كان فيه جهاز تسجيل ديجيتال صغير. أسود، وشكله مش ملفت، في حجم الولاعة تقريباً. قلبته في إيدي. قلت لنفسي إني واخده بس عشان كنت باخده في كل حتة، وعشان المحامي القديم عمره ما بيبطل يبقى محامي.