ما لم يحسبه ياسين

لمحة نيوز

البنت الشغالة الغلبانة حمت أم بوس المافيا من القلم.. والانتقام اللي حصل كان فوق الخيال
محدش اتجرأ يتحرك وإيده بتترفع في الهوا.
اللحظة كانت واقفة، تقيلة وزي خنقة الجو قبل العاصفة في عز الصيف، لما الحر يكبس على الحيطان حتى الشغالين بيمشوا من غير صوت. في الصالون الكبير في فيلا السيوفي، تحت النجف الكريستال اللي جاي من أوروبا وبين العفش الغالي اللي ملوش روح، كان السكوت أرعب من أي صرخة.
الست نعمات السيوفي غمضت عينيها.
مرفعتش إيديها تدافع عن نفسها، ولا حتى رجعت خطوة لورا. جسمها الضعيف اللي كبّرته السنين والوجع القديم كانه اتعود يشيل القسوة. قدامها كان ياسين، ابن أخوها، شاب عنده تسعة وعشرين سنة، متربي في العز والحراسة والشيكات على بياض، بس ميعرفش يعني إيه احترام.
أنا قولت محدش يلمس حاجتي! زعق بصوت هز الحيطان.
كنت بنظف يا ابني... الست نعمات قالت بصوت واطي ومكسور كان فيه تراب على المكتب...
اخرسي!
إيده اترفت أكتر.
وفجأة، صوت مهزوز بس ثابت قطع السكوت زي مسمار في لوح زجاج.
إياك تلمسها.
الكل لف راسه.
كانت بدرية.
بنت عندها سبعطاشر سنة، لابسة مريلة الشغل اللي كانت واسعة على جسمها الرفيع، إيديها كانت سقعانة من الخوف وقلبها بيدق لدرجة إنها سامعة دقاته. كانت لسه جاية من تلات شهور من قرية صغيرة في الصعيد، ومعاها شنطة قديمة، وطقمين غيار، وكلمتين أمها كانت بتعيدهملها من وهي عيلة يا بنتي نعيش فقرا ماشي، بس منبقاش جبنا قدام الظلم.
بدرية مكنتش حاسة بشجاعة،

كانت مرعوبة. رعب نشّف ريقها وخلى ركبها تخبط في بعضها. بس رغم كده خطت خطوة لقدام ووقفت بين ياسين وبين الست الكبيرة.
إياك تلمسها، كررّتها تاني، المرة دي بصوت أعلى شوية.
ياسين بصلها وهو مش مستوعب هو شايف إيه أصلاً.
أنتي فاكرة نفسك مين يا بت أنتي؟
بدرية بلعت ريقها. كانت شافته قبل كده بيذل السواقين والجناينية والطباخين عشان كوباية محطوطة غلط أو مكالمة مردوش عليها. كانت عارفة هو يقدر يعمل إيه، والكل في البيت عارف. عشان كده الكل كان ساكت، والكل عمل نفسه مش شايف.
بس نظرة الرعب اللي في عين الست نعمات قطعت قلبها.
أنا اللي مش هسيبك تمد إيدك على ست كبيرة.
من الطرقة، باقي الشغالين كانوا بيبصوا عليها وهما متجمدين في مكانهم.
ياسين ابتسم ابتسامة صفرا، من اللي مبيجيش وراها خير.
هتدفعي التمن غالي.
لف وضهره ومشي من غير ما يلمس الست نعمات، بس ساب وراه ريحة تهديد خنقت المكان.
ليلتها، بدرية مغمضتلهاش عين.
كل تكة في الفيلا كانت بتحسها نذير شؤم. أوضتها اللي في آخر السطوح كانت ضيقة وحر، بس على الأقل كان فيها شباك صغير بيوريها حتة من السما. فضلت قاعدة على السرير لحد الفجر، ضامة نفسها، وبتحاول تقنع نفسها إنها عملت الصح.
عرفت ده لما شافت وش الست نعمات وهي بتدافع عنها.
وعرفت ده لما افتكرت نفسها وهي عيلة صغيرة، مستخبية ورا أمها، وشايفة أبوها وهو راجع سكران وبيزعق، ووقتها محدش نطق، ومحدش خطى خطوة. يمكن عشان كده، لما ياسين رفع إيده، مقدرتش تفضل مكانها.
العقاب جه
الصبح.
من غير شرح، من غير مرتب، ولا حتى كلمة كدب شيك.
مديرة البيت رمت لها شنطة سودة فيها هدومها.
أوامر من فوق.
بدرية اتصدمت.
بس أنا معملتش حاجة غلط...
متعمليش لي مشاكل يا بت، المديرة همست وهي مش قادرة تبص في عينيها امشي من هنا.
وهي خارجة من باب الخدم، ياسين عدا من جنبها وهو بيعدل ساعة إيده الغالية.
قولتلك هتندمي. قالها وهو مكمل مشيه ولا كأنها موجودة.
بدرية ضمت الشنطة على صدرها ومشيت. مكنش عندها مكان تروحه. كانت بتبعت كل مليم لأمها اللي بتربي أخوها الصغير لوحدها. الشنطة كان فيها بلوزة، وصورة لعيلتها، ومصحف صغير ملفوف في منديل.
كانت جعانة، ورجليها بتوجعها، بس الظلم كان واجعها أكتر.
اللي مكنتش تعرفه إن فيه حد شاف كل حاجة.
في نفس الليلة، في أوضتها اللي ريحتها ياسمين وذكريات، الست نعمات مسكت تليفون مكنتش بتلمسه غير فين وفين. إيديها كانت بتترعش، وحاولت تلات مرات عشان تطلب الرقم صح.
أيوة يا أمي، رد صوت راجل، حازم وواضح.
يا بني... عايزاك تيجي.
حصل سكوت قصير وقاطع.
إيه اللي حصل؟
الست نعمات غمضت عينيها.
النهاردة فيه بنت غلبانة حمتني... وعشان كده طردوها.
محدش سمع حاجة من الناحية التانية لمدة ثانيتين.
مين اللي طردها؟
ياسين.
سكوت تاني، بس المرة دي كان تقيل ومرعب.
أنا جاي حالا.
الراجل اللي قفل السكة ده كان مراد السيوفي. مكنش بس ابن الست نعمات، ده كان صاحب الإمبراطورية كلها، فنادق وشركات وتجارة كبيرة. راجل عنده أربعين سنة، بيتقال عنه في السوق إنه
بيخلص شغله بمشرط جراح، مبيزعقش عشان مش محتاج يزعق، وبمكالمة واحدة يهد عائلات. بس اللي يعرفوه بجد عارفين إنه مع أمه حاجة تانية خالص، بيعاملها بحنية وقدسية.
تاني يوم الصبح، البيت كله اتغير حاله.
الحراس وقفوا انتباه، والخدم وطوا صوتهم أكتر. إشاعة إن مراد بيه وصل مشيت في الطرقة زي الكهربا.
لما دخل، ببدلته الغامقة وخطواته الهادية، مكنش محتاج حد يقدمه. كان باين عليه هيبة الرجالة اللي متعودة على الأمر والنهي. سلم على الكل بهزة راس ودخل في الموضوع علطول.
ياسين فين؟
في أوضته يا فندم.
مراد طلع السلم براحة، وكل خطوة كانت كأنها عد تنازلي.
ياسين فتح الباب وهو لسه مأريف، بس أول ما شاف ابن عمه الكبير، الكبرياء اللي فيه اتكسر.
مراد.. مكنتش أعرف إنك
مراد دخل من غير استئذان وقفل الباب وراه.
عملت إيه؟
حاجة بسيطة، بنت شغالة لسانها طال، وأنا عرفتها مقامها.
مراد بصله من غير ما يرمش.
أنا سألتك سؤال واضح.
ياسين بلع ريقه، وصوت مراد الهادي ده كان أرعب من الزعيق.
هي دخلت في اللي ملهاش فيه، ودافعت عن عمتي كأن ليها حق. طردتها، وده اللي حصل.
مراد قرب منه خطوة.
قبل ما تطردها.. كنت هتمد إيدك على أمي؟
ياسين تردد لحظة. واللحظة دي كانت كفيلة تدمره.
مراد ضربه بالقلم. قلم مش بغضب عشوائي، قلم فيه دقة خلت ياسين يتهز من الإهانة أكتر من الوجع.
إياك ترفع إيدك في البيت ده تاني مراد قالها وهو بيبص في عينيه لا عليها، ولا على حد فاكر إنه ملوش حد يدافع عنه.
ياسين جز على سنانه.
دي
مجرد شغالة.
مراد وطي راسه شوية لحد ما بقى في سوى وشه.
لأ، دي البني آدمة الوحيدة
تم نسخ الرابط