خلف ملامح الفرح

لمحة نيوز

تكملة القصة
حضرت حفلة أختي "لينا" لتحديد نوع الجنين في يوم سبت دافي في أواخر شهر مايو، من نوعية الأيام اللي تحس فيها إن الحي كله متغطي بنور الشمس والنوايا الحسنة. جنينة بيتها كانت مرصوصة كأنها طالعة من كتالوج ديكور؛ شريط زينة بمبي وأزرق مربوط في سور الجنينة، وأطباق الكب كيك مرصوصة بنظام على طرابيزة التراس، وحتى الشجر كان متعلق عليه شربات أطفال صغيرة بخيط ستان أبيض، وكأن الشجر نفسه بيحتفل معانا.
لينا قابلتني عند البوابة قبل حتى ما الحق أقفل الترباس ورايا. كانت لابسة فستان صيفي أصفر هادي عليه ورد أبيض صغير، ووشها كان منور لدرجة خلتني لثانية واحدة أنسى أتنفس. لينا طول عمرها كان ليها التأثير ده على الناس؛ من وهي طفلة، كانت من نوع البنات اللي البياعين يبتسموا لهم مرتين، والمدرسين قلبهم يلين قدامها، والغرباء يثقوا فيها. كانت ماشية في الدنيا بطيبة تخلي اللي قدامها يحب يحميها، وطول عمري كنت بحبها عشان كدة،

وبقلق عليها برضه عشان كدة.
قالت لي وهي الضحكة باينة في صوتها: "ميف.. إنتي اتأخرتي."
قلت لها: "أنا اتأخرت تمن دقايق بس، ده مش عيب في الشخصية، ده زحمة طريق."
ردت وهي بتضحك: "زحمة في الحي بتاعنا؟"
قلت لها: "في كل الأحياء."
قلبت عينيها بضحك، وبعدين بلهفة حد بقاله اليوم كله مستني يحكي سر، حطت في إيدي صورة سونار بتلمع.
وسألتني بزهو: "مش هي زي القمر؟"
أنا دكتورة أشعة. قضيت أكتر من عشرين سنة من عمري وأنا بقرا صور وأشعة معظم الناس بتبص عليها وما بتفهمش فيها حاجة. شفت رئات مليانة التهاب، وعضم مكسور نصين، وكبد مريض، وكسور دقيقة في المعصم، وأورام مستخبية ورا الضلوع؛ شفت خبايا آلاف الحالات الطارئة. مش مبالغة لو قلت إن شغلي وعمري دربوني إني أفصل بين الخوف والحقيقة في أقل من ثانية.
أول ما بصيت في الصورة دي، الدم اتجمد في عروقي.
الشكل كان غلط. الكثافة كانت غلط. الحدود مكنتش طبيعية. مكنتش حتى محتاجة أراجع المصطلحات
الطبية في دماغي عشان أعرف إن في حاجة مرعبة في الصورة دي. اللي كنت شايفاه قدامي مكنش جنين متصور بزاوية غريبة، ولا مجرد صورة تذكارية جودتها وحشة.. اللي قدامي ده كان كتلة صلبة. واخدة حيز في الرحم بطريقة مبيعملهاش طفل أبدًا. صورة الأبيض واسود اللي في إيدي فجأة بقت تقيلة، كأن الورقة نفسها شربت الرعب اللي جرى في جسمي.
بس لينا كانت لسه بتضحك.
في النص ثانية اللي أعقبت الصدمة، غريزتي هي اللي اتحكمت فيا. قدرت أظبط ملامح وشي بسرعة قبل ما هي تقرا اللي بيدور ورا عينيا. عملت كدة كتير قبل كدة؛ بره غرف الكشف، وفي طرقات المستشفى، وجنب مكن القهوة والناس مستنية الدكاترة يقولوا كلمة ويسمعوا كلمة تانية خالص. كنت عارفة إزاي أثبت مكاني وأنا بتهز من جوه.
بصيت لـ لينا وضحكت ضحكة صفرا، وقلت لها: "طبعاً يا حبيبتي، زي القمر.. بس هاتيها ثانية أوريها لـ إيثان، أكيد لسه مشافهاش بوضوح."
سحبت إيثان من وسط الدوشة وأخدته ورا البيت
عند أوضة الغسيل. أول ما الباب اتقفل، ملامحي اتغيرت تماماً. إيثان وشه جاب ألوان وقالي: "في إيه يا ميف؟ خوفتيني!"
رفعت الصورة قدام عينه وقلت له بصوت واطي ومرعش: "إيثان، أنا دكتورة أشعة بقالي 20 سنة.. دي مش بنت، ولا حتى ولد."
إيثان ضحك بتوتر: "يعني إيه؟ دكتور النسا قال إنها بنت وأكد لنا!"
قلت له وأنا بضغط على كف إيدي: "دكتور النسا بتاعكم حمار أو أعمى. الكتلة اللي في الصورة دي مش جنين أصلاً.. دي حاجة بنسميها (حمل عنقودي)، ودي عبارة عن خلايا مشوهة بتكبر بسرعة جنونية وبتوهم الجسم إنه حامل. والأخطر من كدة، إن الشكل ده بيقول إنها قلبت ورم، ولو استنينا لحظة واحدة كمان، لينا حياتها في خطر."
إيثان سند على الحيطة وكان هيغمى عليه: "إنتي بتقولي إيه؟ دي فرحانة، دي جهزت الأوضة، دي بتحس بحركتها!"
قلت له بجمود الدكاترة: "اللي بتحس بيه ده نبض الورم وهو بياكل في رحمها. مفيش وقت للبالونات ولا للزينة. لازم تروح المستشفى
دلوقتي، حالاً."

تم نسخ الرابط