وجوه مستعارة
المحتويات
عندها تمن سنين تقريباً، وعندها انضباط في مشاعرها لدرجة تخوف وتوجع.
ست ببليزر كريمي قربت من البنت. مكنتش حركة أم ولا قريبة، كانت حركة نضيفة أوي ومفيهاش أي حنية. كارتر هدي سرعته. الست وطت شوية ولمست كتف البنت زي ما حد بيعدل مفرش على ترابيزة، وهمست ابتسمي. البنت نفذت الأمر فوراً، بس الابتسامة مكنش فيها أي فرحة، كانت زي ابتسامات الكبار في حفلات التبرع الرخمة لما حد يقول كمان صورة. تليفون الست رن، بصت في الشاشة والضيق بان على وشها أسرع من الحنية، وقالت لها خليكي هنا، ولفّت ومشت ناحية الطرقة بوقفة مثالية.
كارتر كان ممكن يكمل مشي لولا الصوت اللي جاله من الطرقة وهي بتتكلم في التليفون طول ما أنا الوصية عليها، الصندوق الائتماني هيفضل تحت سيطرتي. الجملة دي وقفته مكانه. مبصش ناحية الصوت، بص ناحية البنت. لسه قاعدة، لسه ماسكة الشنطة، لسه بتراقب القاعة كأنها بتتأكد مسموح لها تفضل موجودة ولا لأ. متطوعة تانية عدت بالكب كيك من جنبها، والصينية حتى ممالتش ناحيتها. البنت شافت الصينية وهي بتعدي بهدوء حد مرن نفسه إن الشهية لازم تتأدب.
وفي لحظة سكون تانية، كارتر سمع حاجة تانية.. صوت صغير مش من الطرقة، صوت طالع من الكرسي.. صوت بطن طفلة بتصوصو من الجوع. البنت حطت إيدها بسرعة على بطنها وفردت ضهرها، كأن الوقفة المظبوطة هتمسح الجوع قبل ما حد يشوفه. الصوت ده خبط في حتة جوا كارتر؛ الحتة اللي ساكن فيها العدل و الذاكرة. كارتر بنى شركته على القواعد والوعود، ومبدأ إن الضعيف دايماً هو اللي بيدفع الثمن لما القوي يقرر إن الضمير شيء اختياري. الطفل مش بند مصاريف، مش أصل من الأصول اللي بنديرها.. الطفل
نادى اسم تاني، والتسقيف اشتغل. البنت مسقفتش، بصت في جزمتها بس. كارتر خد خطوة ناحية المخرج، وبعدين وقف. الفولدر اللي في إيده بقى ملوش لازمة فجأة. مش مش مهم، بس بقى جزء من معادلة تانية. صندوق بيقفل، وطفلة قاعدة لوحدها، وحياة كان فاكر إنه بيبعد فيها عن الأبوة للأبد. لف وضهره لمكتب الموظف تماماً، ولما وصل عند صف الكراسي، هدي سرعته، هو عارف إن الأطفال الخايفة بيشوفوا السرعة تهديد حتى لو كانت مساعدة.
وقف على بعد كام خطوة، ونزل على ركبه. اللحظة دي كانت أهم من كل ورق المحكمة اللي جه بعدين. نزل لمستوى عينها، مكنش فيه تليفون في إيده ولا فولدر بيفصل بينهم. أهلاً.. إنتي هنا مع حد؟. الرد جه بسرعة أوي هي بتركن العربية. كلمات محفوظة وكأنها رد فعل تلقائي. كارتر هز راسه كأنه صدق تمام. مطلعهاش كدابة، ولا سألها بتكدب لمين، فضل مكانه بس.
من قريب، التفاصيل بقت أوضح العلامة الحمرا ورا كعبها، السواد الخفيف تحت عينيها، والطريقة اللي ماسكة بيها الشنطة كأنها ورق حياة أو موت. طرف الشنطة اتفتح وشاف ورق حكومي عليه أختام زرقاء، كلمات أتقل بكتير من سنها. في القاعة، حد ضحك بصوت عالي، البنت اتنفضت، مش خوف، بس كأنها بتشوف هي المفروض تضحك هي كمان ولا لأ.
سألها بتحبي الكب كيك؟. السؤال لجلجها إيه؟. شاور لها على الترابيزة اللي هناك بيوزعوا هناك. بصت، وبعدين بصتله وقالت ده للعائلات الجديدة. مكنش فيه اتهام في جملتها ولا حزن عايزة تظهره، كانت مجرد معلومة؛ حقيقة طفلة اتعلمت هي تبع أنهي فئة ومسموح لها بإيه.
قبل ما كارتر يرد، قربت ست معاها بوردة ورق، في الأربعينات، لابسة جزمة
لما كارتر وديان وقفوا بعيد شوية، كارتر سأل هي مش معروضة للتبني النهاردة؟. ديان هزت راسها لأ، دي هنا عشان مراجعة وصاية.. الوصية بتاعتها بتطلب تأجيلات كتير. وفي اللحظة دي، بطن البنت عملت الصوت ده تاني. ديان سمعت وسألتها إنتي فطرتي؟. البنت هزت راسها ب لأ خفيفة وقالت طنط جرايسون قالت هناخد بان كيك بعدين.. لو مكسفتهاش. الجملة دي دخلت قلب كارتر زي التلج؛ مش مسموح لطفل إنه يقايض جوعه ب رضا الكبار.
كارتر سأل بهدوء إيه الطريقة الصح عشان أساعدها؟. ديان قالت له إن ممكن تاكل في الكافتيريا وده بيتوثق في الورق. خلاص، وثقيه. كارتر قرب من البنت وسألها تحبي تشربي شوية شوربة ولا تفضلي قاعدة في مكانك؟. السؤال ده كان مهم لأنه أداها حق الاختيار، والأطفال اللي زي إيميلي مبيتمش تخييرهم، بيتم توجيههم بس. بصتله بشك ينفع؟. ديان ردت قبل كارتر ينفع، هنمشي مع بعض.
في الكافتيريا، البنت كانت جد جداً في اختياراتها؛ مكنش فيه فرحة ولا جري على السكريات، كانت بتختار بمسؤولية كأن الجوع نفسه لازم يتم إدارته صح. شوربة ومقرمشات. ديان دفعت بوصل حكومي، وكارتر مدفعش من جيبه، وده كان مهم عشان ميبقاش شو لواحد
صوت الكعب أعلن وصول مارلا قبل صوتها. إيميلي! إنتي هنا... دخلت بابتسامة تطلع حلوة في الصور بس تقع وحشة في الأوضاع دي. بصت لكارتر وعرفته فوراً، مارلا جرايسون تعرف كل الأسامي المهمة في كليفلاند. سيد هيل، شكراً إنك فضلت معاها، إحنا كنا خلاص ماشيين. إيميلي اتجمدت والمعلقة في بوقها، كارتر شاف الصراع بين الجوع والطاعة في وشها. هتخلص أكلها الأول، كارتر قالها بهدوء، والهدوء ده كان أقوى من الزعيق.
مارلا قالت بابتسامة صفراء طبعاً.. مش عايزين نتعب السيد هيل يا إيميلي، صح؟. كارتر رد أنا مش تعبان. مارلا قربت منه وهمست إنت مش عايز اسمك يتجرجر في محاكم الأسرة، الموضوع بيبقى ملخبط. كارتر بصلها وقال أنا دفنت أكتر حاجة كنت بخاف عليها، مفيش إشاعة هتهزني. وش مارلا اتغير لثانية، وإيميلي كملت أكلها وكتافها نزلت شوية من كتر الراحة.
كارتر بص للشنطة القماش تاني، شاف طرف ورقة مكتوب عليها توزيعات الصندوق الائتماني و تجديد الوصاية. مكنش فيه سيرة دروس خصوصية، ولا علاج نفسي، ولا أي حاجة تخص حياة طفلة عندها 8 سنين. مجرد لغة فلوس وإدارة وأملاك. فهم إن دي مش غلطة، ده سيستم. والسيستم ده مش هيتصلح لمجرد إن راجل محترم عدى وشعر بالأسى، السيستم محتاج تدخل.
إيميلي خلصت أكلها ومسحت بوقها بعناية، وبصت لكارتر شكراً. جملة بسيطة وطالعة من القلب. مارلا كانت عايزة تسيطر على الموقف وتقول لها اشكري عمو كويس، بس إيميلي كانت شكرته فعلاً. وهم طالعين، كارتر سأل ديان بصوت واطي إيه اللي بيحصل بعد كده لو حد عايز يساعد
متابعة القراءة