بنتهاوس السراب

لمحة نيوز

"بابا،" همست بالراحة. صوتي كان طالع مهزوز وضعيف في المطبخ ده. "أنا محتاجة 38 دولار عشان كتب الساينس والتاريخ الجديدة. المدرسة قالت مش هينفع أكمل في فصول المتفوقين لو الكتب مش معايا يوم الاتنين."
"جاري" حتى مبصش في الورقة اللي معايا.
الحنية اللي كانت في صوته وهو بيكلم تايلر اتبخرت في ثانية، كأن حد رمى عليها تلج.
"كتب؟" زعق فيا. "يا جريس، إنتي علطول بتطلبي حاجات. إنتي فاكرة إني بنخل فلوس؟"
بلعت ريقي بصعوبة وقلت له: "بس ده عشان المدرسة—"
"لازم تتعلمي تبقي زي أخوكي،" قالها وهو بيشاور على تايلر كأنه قدوة ومثال للأخلاق. "تايلر مش بيقعد يزن على دماغي في كل تافهة وكبيرة."
تايلر حط الـ 50 دولار في جيبه، وضحك لي ضحكة "سماتة" كأنه كسب ماتش. الضحكة دي بقت علامته المسجلة بعد كده. كانت بتقول إنه فاهم قوانين العيلة دي أكتر مني، وكان مستمتع جداً إني لسه بحاول ألعب بجدعنة وبأصول.
دي كانت المصيدة في عيلتنا: القسوة بقت حاجة عادية.
رغبات

تايلر كانت بتتعامل كأنها "أوامر" ولازم تتنفذ فوراً.
أما احتياجاتي أنا، فكانت بتتعامل كأنها "هجوم شخصي" على ميزانية البيت.
في العيلة التوكسيك (السامة)، التفرقة مش بتبقى بالكلام بس، دي بتبان في المواقف الصغيرة.. القرارات اليومية اللي بتعلم طفل إنه "استثمار" والطفل التاني إنه "زيادة" ملوش لزمة.. مجرد قطعة غيار.
الجزء التالت
"جاري" عمره ما شاف نفسه أب وحش. في اليوم ده، أكيد كان مقنع نفسه إنه بيعلمني "المسؤولية". غالباً كان بيقول لنفسه إنه "بيخشنّي" عشان الدنيا، زي ما أي حد بيبرر وجعه لشخص مش عايز يفهمه أصلاً.
بس الحقيقة، كل اللي علمهولي هو إن قيمتي عنده "صفر".
خرجت من المطبخ يومها ومعاييش تمن الكتب. معيطتش، عشان في بيتنا الدموع كانت "سلاح" بيستخدموه ضدك. العياط معناه إنك "درامية"، وكونك درامية يبقى وجعك ده ملوش قيمة وممكن يتجاهلوه عادي.
فاكرة إني وقفت على السلم البراني وبصيت للسما، وخدت عهد على نفسي:
"لو عايزة مكان ليا على
أي ترابيزة في الدنيا دي، يبقى لازم أصنع الترابيزة دي بنفسي."
ومن اليوم ده، مطلبتش من "جاري" تعريفة واحدة.
لقيت شغل في مطعم صغير على أطراف البلد، من النوع اللي كنباته مقطعة واليافطة النيون بتاعته بتزن كأنها زهقت من الحياة. أيام ثانوي بقت عبارة عن صب قهوة، وشيل أطباق، وريحة قلي لزقت في شعري ومبقتش تطلع.
إيدي كانت دايماً خشنة، وريحتها صابون مواعين ومنظفات قوية. جالي فاقفيع في إيدي من كتر شيل الصواني التقيلة، واتلسعت ميت مرة من الأطباق السخنة. اتعلمت أبتسم للزبائن حتى ورجلي واجعاني لدرجة إني بحس إن عضمي بيخبط في بعضه.
في الوقت اللي كان تايلر بيصرف فيه الخمسينات اللي بابا بيديها له كأنها بونبوني، كنت أنا بجمع السنتات والبرايز في برطمان تحت السرير. كنت بحوش لمصاريف الجامعة عشان أهلي وضحوا لي بمنتهى الصراحة إن تعليمي ده مسؤوليتي أنا لوحدي.
"مونيكا" (أمي) كانت بتحب تقول لي: "إنتي شاطرة يا جريس، وهتعرفي تتصرفي،" كأن الشطارة دي
عقاب يخليكي متستحقيش الدعم.
كنت بقعد أتفرج على العيال التانية وهما أهلهم بيجوا ياخدوهم من المدرسة، ويسألوهم يومكم كان عامل إيه، ويشجعوهم في ماتشات الكورة، ويسقفوا لهم لما ينجحوا. كنت بشوف الأمهات وهما بيسرحوا شعر بناتهم ويبوسوا راسهم.. وبشوف الآباء وهما شايلين شنط ولادهم وبيضحكوا معاهم كأنهم أغلى ما عندهم.
وبعدين أرجع لبيت عيلة "هندرسون"، حيث "الحب" بمقابل، و"القبول" محجوز بس لتايلر.
النوع ده من الطفولة بيعمل في الواحد حاجات كتير... 
النوع ده من الطفولة بيخليك إنسان "عايش بجدول بيانات" بدل المشاعر. يا أما تنهار، يا أما تبقى زيي: "ترس ملوش ملامح" مبيقفش عن الشغل.
الجزء الرابع
دخلت الجامعة بمنحة وتفوق، وكنت بشتغل تلات شغلانات عشان أصرف على نفسي. تايلر طبعاً دخل جامعة خاصة غالية بفلوس بابا، وصرف نصها على الحفلات واللبس وفي الآخر سقط. ورغم كده، لما كان يرجع البيت مكسور الجناح، كانوا بيطبطبوا عليه ويقولوا "معلش يا حبيبي،
الضغط كان كبير عليك."

تم نسخ الرابط