مرات ابني عاوزة تتخلص مني
طلعت أجري من بيت ابني الساعة اتنين بالليل بعد ما سمعت مراتي ابني بالصدفة وهي بتخطط في السر عشان ترميني في دار مسنين.. بس اللي عمرهم ما اتخيلوه إن الست اللي كانوا شايفينها عِبء هي اللي تملك البيت ده أصلاً، ومعاها ثروة مخبية، وإنها على وشك تكشف كدبها، ونصبها، وأقسى خيانة ممكن تتعرض لها أم وست ضحت بكل غالي عشان عيلتها.
كانت الساعة يدوب عدت اتنين بعد نص الليل لما سمعت مرات ابني وهي بترسم ملامح مستقبلي بكل برود، كأنها بتطلب دليفري أو بتحجز عربية توصلها مشوار.
مكنتش نايمة.. في سني ده، النوم مابقاش بيجي بسهولة، بقى يروح ويجي بمزاجه. كنت صاحية بقالي ساعات، باصة للسقف وسامعة زنة التلاجة وصوت نقط المية اللي نازلة من حنفية الحمام، لحد ما سمعتها بتنطق اسمي.
بكرة هناخدها دار المسنين، كل حاجة مترتبة خلاص.
قلبي قعد يدق في صدري زي الطبلة، بس أول حاجة حسيت بيها مكنتش الحزن.. كانت الكسفة.
كسفة تقيلة وهادية بتسكن في عضضمك لما تكتشفي إن البيت اللي بنيتيه بإيديكي، بقى شايفك مجرد مشكلة ولازم
قمت براحة واتسحبت ناحية الباب، وفتحته حتة صغيرة عشان أشوف نور المطبخ اللي كان ضارب في الطرقة. إيميلي كانت واقفة هناك، الموبايل على ودنها، وصوتها ثابت.. ثابت زيادة عن اللزوم، كأنها خلاص رتبت حياتها على القرار ده.
هي متعرفش حاجة، ومايكل موافق. هنقول لها إنها مجرد زيارة.. وأول ما تبقى هناك، الموضوع هيبقى أسهل. مش هنقدر نعيش كده أكتر من كده، بقالنا سنين.
كده.
مش معايا، مش مع ماما، مش إيفلين.
مجرد.. كده.
ركبي كانت هتخونني، ساندت على الحيطة عشان مقعش. وساعتها شفت خيال ابني في إزاز الشباك الضلمة.. كان قاعد في هدوء، وموطي راسه، ومش نطق بكلمة واحدة.
مدافعش عني.
مواجههاش.
مجرد.. موافق.
دي كانت اللحظة اللي حاجة جوايا اتشرخت فيها.
شرخ مش صوته عالي، ولا درامي.
بس شرخ كفاية يخليني أعرف إن عمري ما هبقى سليمة تاني.
رجعت أوضتي في سكات، إيدي كانت بتترعش بس عقلي كان صافي بشكل غريب. لميت بس الحاجات اللي تهم ورقي، شوية فلوس، وشوية حاجات شخصية. مخدتش أي حاجة تانية، ولا حتى
قعدت على طرف السرير واستنيت.
استنيت البيت يهدى خالص.
استنيت النور يطفي.
استنيت اللحظة اللي أقدر أخرج فيها من غير ما حد يشوفني.
ولما اللحظة جت، اتسحبت وخرجت من الباب اللي ورا.
الهوا الساقع خبط في وشي بقوة، بس بدل الخوف، حسيت بحاجة مكنتش متوقعاها.
الراحة.
لأول مرة من سنين، قدرت أخد نفسي من غير ما أحس إني واخدة مكان مش مكاني، أو إني تقيلة على حد.
مشيت من غير وجهة، الشوارع كانت فاضية والمدينة نص نايمة. خطواتي كانت بطيئة بس ثابتة.. مكنتش عارفة أنا رايحة فين.
بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني مش راجعة تاني.
وأنا ماشية، شريط الخمس سنين اللي فاتوا كله اتعرض قدام عيني زي فيلم صامت. الإهانات الصغيرة.. التجاهل اللي متغلف بذوق.. التريقة اللي مكنتش مجرد هزار. الطريقة اللي كانت بيها الخدمات اللي بعملها بتتحول بالتدريج لواجبات، والواجبات بقت فرض عين عليا.
الطريقة اللي كنت بختفي بيها.
حبة بحبة.
لحد
مجرد عِبء.
كنت باقية ومستحملة عشان كنت خايفة.
خايفة أكون لوحدي.
خايفة أبدأ من جديد.
خايفة إنهم يمكن.. يكونوا صح.
بس الليلة دي، كل حاجة اتغيرت.
الليلة دي، أنا اخترت كرامتي.
في الآخر، رفعت إيدي ووقفت تاكسي.
السواق سألني وهو بيبص لي في المراية على فين يا حاجّة؟
ترددت ثانية واحدة.
وبعدين قلت له وديني على أنضف وأشيك أوتيل تعرفه في وسط البلد.
لما وصلت، نزلت من العربية ودخلت راسي مرفوعة لفوق. الصالة كانت دافية، شيك، وكلها فخامة هادية. ولأول مرة من وقت طويل، محسيتش إني غريبة عن المكان ده.
حجزت أحسن جناح موجود.
من غير تردد.
عشان أنا أقدر.
وفي اللحظة دي، فيه حاجة رجعتلي.. حاجة مكنتش واخدة بالي إني فقدتها.
افتكرت أنا مين.
أنا مش عاجزة.
ولا أنا محتاجة لحد يصرف عليا.
قبل ما ابني يبني حياته بوقت طويل، كنت أنا بنت حياتي خلاص.
وحياتي دي كانت لسه موجودة.. ومستنياني.
تاني يوم الصبح، موبايلي مابطلش رن.. مكالمات فايتة كتير.
رسايل صوتية.
رسايل
أنتي فين؟
أنتي كويسة؟
أرجوكي كلمينا.
يا