الكاميرا كشفت الحقيقة
كنت فاكر إن ابني في أمان مع جدته، بس الكاميرا كشفت حقيقة عمري ما كنت أتخيلها.
الشمس فوق طريق كونيتيكت كانت حارقة ومالهاش قلب، وكأنها بتحاول تمسح لون فرش عربية ويليام إدواردز. ويليام كان ضاغط على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عقل صوابعه ابيضّت، كان حاسس إنه سايق في حلم.. أو كابوس مش عارف يفوق منه.
في الكرسي اللي ورا، كان فيه صوت مش قادر يستحمله. مكنش عياط طفل عايز لعبة أو حاجة حلوة، كان نحيب واطي ومنتظم وطالع من القلب، عياط طفل عنده 5 سنين حاسس إن العالم بيتهد فوق دماغه. أوين كان مكور نفسه وراسه ساندة على إزاز الشباك البارد.
بابا، عشان خاطري.. هبقى شاطر والله. هرتّب أوضتي. مش هعمل أي دوشة. هبقى خفي يا بابا، مش هخلي حد يشوفني، بس م تودينيش هناك، أوين كان بيوشوش وهو بيتنفض.
كلمة خفي دي نزلت على ويليام كأنها خبطة في صدره. طفل عنده 5 سنين ما ينفعش يعرف يعني إيه يبقى خفي، ما ينفعش يحس إن وجوده عبء تقيل على اللي حواليه.
ويليام بص لمراته مارشا. كانت قاعدة جنبه زي تمثال الرخام، مشغولة بتحط روج بتركيز رهيب قدام المراية، ولا اتهزت لصرخات ابنها ولا حتى رمشت.
قالت له بحدة وهي لسه بتبص في المراية بطل دراما يا ويليام، الولد ده بيمثل.
ويليام رد وصوته فيه زمجرة مكتومة ده عنده 5 سنين يا مارشا. الأطفال في السن ده مابيعرفوش يمثلوا عشان يعيشوا. هو بيعيط عشان مرعوب.
ردت عليه وهي بتقفل قلم الروج بصوت زي خبطة شاكوش القاضي هو مرعوب عشان إنت حولت حياته لمرض نفسي. طول النهار في الجامعة بتتكلم عن الصدمات والارتباط، وحولت ابننا لكتلة أعصاب. أمي ممرضة عسكرية متقاعدة، بتفهم في الانضباط، وبتفهم في النظام اللي إنت فاشل توفره. ويك إند واحد مع سوزان ميلتون وهيتعلم إن العالم مابيلفش حوالين مشاعره.. العالم بيلف بالنظام.
ويليام حس برعشة باردة. افتكر أول مرة شاف النظرة دي في عيون مارشا لما كانت طالبة عنده في كورس تطور الطفولة المبكرة. كان فاكر إن اهتمامها بالعلم ده نضج ورزانة، مكنش يعرف إنها مابتدرسش الصدمات النفسية عشان تعالجها، هي بتدرسها عشان تعرف تستخدمها ك أداة.
عزبة ميلتون كانت في حتة هادية جداً، بيت أبيض ببيبان سودا، وجنينة مقصوصة بالمسطرة لدرجة إنها تبان صناعية. مفيش أي لعبة في الحوش، مفيش عجلة مركونة، مفيش أي أثر بيقول إن فيه طفل داس الأرض دي قبل كده.
سوزان ميلتون كانت
أول ما العربية دخلت، أوين بطل عياط فجأة. حل مكان العياط سكوت مرعب أكتر بكتير. الولد بدأ يترعش وحاول يفك الحزام ويترمي في حضن أبوه وهو بيصرخ ماتسيبنيش يا بابا! تيتة بتخوفني! بتسيبني في الضلمة!
ويليام اتسمّر مكانه يعني إيه في الضلمة يا أوين؟
بس قبل ما أوين يرد، إيد مارشا اتمدت زي التعبان، ومسكت معصم الولد بقوة سابت علامات حمراء فوراً، ورجعته الكرسي بعنف.
ويليام زعق مارشا!
مارشا بصت لأوين وقالت بصوت مكنش بشري، كان كأنه أمر آلي اقعد.. مكانك.. دلوقتي. أوين انكمش في الكرسي وعينيه بقت زاغية.
سوزان ميلتون نزلت من السلم، مامتتش لويليام ولا ابتسمت لحفيدها، بصت له زي ما شاويش بيبص لعسكري فاشل. وقالت لمارشا الولد ده طري قوي، سيبتيه يتدلع كتير، التدريب المرة دي هياخد وقت أطول.
ويليام نزل من العربية وقال تدريب؟ إحنا بنتكلم عن طفل عنده 5 سنين يا سوزان، مش فار تجارب.
سوزان بصت له باحتقار بارد إنتوا بتوع علم النفس كلكوا زي بعض، فاكرين الحب حضن وبوس.
ويليام وطى حضن أوين، الولد كان قلبه بيدق بجنون زي عصفور بجناح مكسور. يومين بس يا بطل، ويليام وشوشه، يومين بس وهجيلك الأحد بليل.. وعد. أوين مردش، كان باصص على باب البيت بنظرة تايهة تماماً.
ويليام مشي وهو قلبه مقبوض، قعد يحاول يقنع نفسه إنه أوفر وإن سوزان دي بس ست شديدة، قعد ٣ ساعات في بارك باصص في تليفونه ومستني أي حجة تخليه يرجع ياخد ابنه.. هيفضل بقية حياته يتمنى لو كان سمع صرخة روحه في اللحظة دي.
الشقة كانت ساكتة، بس السكوت ده كان بيوش في ودن ويليام. حاول يصحح أبحاث طلابه عن تربية الأطفال، بس الكلام كان طالع زي السخرية من حاله.
الساعة ٦ كلم بيت سوزان، الخط اتقفل. الساعة ٧ كلم مارشا، ماردتش. الساعة ٨ جت له رسالة من مارشا أنا وماما بنناقش أمور الميراث. أوين بيتعاقب على اللي عمله في العربية. هو كويس. ماتتصلش تاني وتعطلنا.
كلمة بيتعاقب دي كانت زي السكينة على رقبة ويليام. هو عارف تاريخ سوزان، عارف إنها كانت ممرضة عسكرية في السبعينات، وقت ما كان تعديل السلوك عبارة عن تعذيب.
الساعة ٨٣٥ بليل، تليفونه رن برقم غريب.
أستاذ ويليام؟