مقامك يا نينا
مفاتيحي وقعت من إيدي مرتين قبل ما أتمكن منها. كنت شايفة خيالاتهم وهما بيبصوا عليا من باب الصالة.. مفيش حد قام ورايا، مفيش حد قال نينا، استني.
طبيعي.. ماهو أنا مجرد الخدامة.
الهواء الساقع خبط في وشي برا، وشارع جيسيكا الراقي كان كله هدوء ونظام. الحي اللي أنا ساعدتها تشكن فيه من 4 سنين. ركبت عربيتي وقفلت الباب، وفضلت ماسكة الدريكسيون لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت. كان فيه جزء مني عاوز يصرخ، وجزء عاوز يعيط، بس فضلت ساكتة وأنا بفتكر كل لحظة وش أيدن، الشوكة وهي طايرة، والضحك اللي ملأ المكان.
وصلت بيتي الساعة 1034 بالليل. شقتي أصغر من بيت جيسيكا بكتير، بس الليلة دي كانت هي الملجأ. أول ما دخلت تليفوني نور.. جيسيكا.
بجد؟ مشيتي عشان نكتة؟ أيدن عنده 7 سنين ميفهمش.
فضلت أبص للشاشة لحد ما عيني حرقتني. طبعاً ميفهمش، الأطفال مسجل بيمشي على رجلين، بيسمعوا الكلام ويرددوه في أوحش وقت ممكن. هو قالي خدامة لأن جيسيكا بتقول كدة.. وأكيد بتقولها كتير.
رسالة تانية وصلت ده طبعك دايماً، لازم تعملي من نفسك ضحية وبطلة. ده كان عيد شكر وأنتي بوظتيه.
وبعدها الرسالة اللي رنت في عقلي زي الجرس إعرفي مقامك يا نينا. إحنا أهل أه، بس ده مش معناه إننا متساويين. فيه ناس تعبت وشقيت عشان توصل للي هي فيه.
إعرفي مقامك.
قريتها تلات مرات. وفجأة، الوجع اتحول لهدوء غريب.. هدوء صافي.
قمت، ولعت مكتب الصغير، وفتحت درج الملفات.. الدرج اللي فيه أوراق تقدر تشقلب حياة
فردت الورق قدامي عقد التمويل العقاري الخاص، السند الإذني، وعقد الملكية اللي عليه اسمي أنا. نينا، مكتوب بخط واضح في الأماكن اللي جيسيكا بقالها سنين بتحاول تمسحها من خيالها.
افتكرت يوم ما وقعنا الورق ده من 4 سنين. جيسيكا وماركوس كانوا قاعدين على ترابيزة مطبخي، إيديهم في إيد بعض كأنهم بيدعوا. جيسيكا كانت حامل وتعبانة، وماركوس كان مكسوف وعينه في الأرض بعد ما مشروعه فشل وشال ديون زي الجبل.
قالت لي وقتها بصوت مكسور كل البنوك رفضونا يا نينا. 6 بنوك قالوا لأ، ومحتاجين سنين عشان نصلح وضعنا المالي. مش هنقدر نفضل مأجرين، محتاجين استقرار عشان البيبي، جنينة ومدرسة وبيتنا الخاص.
فكرت أسبوعين، وحسبتها صح، وسألت المحامي بتاعي. مكنتش بعمل كدة عشان جيسيكا تستاهل، كنت بعمل كدة لأني كنت لسه مصدقة إن الأهل بيساعدوا بعض مهما حصل.
قلت لها أنا هشتري البيت كاش ب 385 ألف دولار، وأنتي وماركوس هتدفعوا لي قسط شهري أقل من الإيجار، وبعد 5 سنين لما وضعكم يتصلح، اعملوا إعادة تمويل واشتروا البيت مني بنفس التمن من غير مكسب. جيسيكا عيطت وقتها وحضنتني وقالت أنتي أنقذتي حياتنا، عمري ما هنسى ده يا نينا.. عمري.
وبعد 4 سنين، مش بس نسيت.. دي حولت الحكاية في دماغها لقصة هي فيها البطلة وأنا مجرد كومبارس.
وفي اللحظة دي، جيسيكا كانت متأخرة 47 يوم عن دفع القسط. 47 يوم وأنا بفكرها بذوق وهي بتطنش، وتنزّل صور لجزمتها
مسكت تليفوني وكتبت أنا فعلاً عرفت مقامي. راجعي عقود البيت يا جيسيكا.
ردت فوراً بتقولي إيه؟ أنتي بتتكلمي عن إيه؟
مردتش. فتحت اللابتوب وبعت إيميل للمحامي بتاعي
ديفيد، جهز لي إنذار بالسداد الفوري لكل المبلغ المتبقي 298 ألف دولار لبيت مابل ريدج. المشترين متأخرين 47
يوم، وأنا بستخدم حقي في المطالبة بكامل المبلغ خلال 10 أيام، وإلا نبدأ إجراءات الحجز فوراً.
إيدي كانت ثابتة وأنا بكتب.. ودي كانت أغرب حاجة.
الساعة 647 الصبح، تليفوني رن.. جيسيكا.
سيبته يرن لحد ما سكت. رنت تاني وتالت، وبعدها ماركوس بعت نينا، إيه اللي بيحصل؟ البنك كلمنا بيقول إن البيت عليه متأخرات وإنك طالبة المبلغ كله في 10 أيام! أكيد فيه غلط.
رديت ببرود مفيش غلط. أنا اللي ممولة البيت، وأنتو متأخرين 47 يوم، وأنا بطلب حقي.
صمت طويل.. وبعدين أنتي إيه؟
اقرأ العقود اللي وقعتها. أنتو معندكوش قرض من بنك، أنتو ليكم عقد معايا أنا. أنا اللي أملك البيت ده.
ردت جيسيكا بجنون أنتي أكيد اتجننتي! هتعملي كل ده عشان خناقة في عيد الشكر؟
قلت لها الموضوع مش عيد الشكر.. الموضوع هو 47 يوم تأخير، وسنين من المعاملة كأني شغالة عندكم في بيت أنا اللي شرياه بفلوسي.
رنت جيسيكا، والمرة دي رديت.
كانت بتصرخ وبتبكي نينا، إحنا مستحيل نوفر 300 ألف
قلت لها بهدوء كان لازم تفكري في كدة قبل ما تعلمي ابنك يرمي عليا شوكة ويهيني.
قالت ده طفل عنده 7 سنين!
قلت لها الطفل مريلة أهله.. قال اللي سمعك بتقوليه. قلتي عليا خدامة، ودلوقتي الخدامة بتطالب بحقها. قدامكم 10 أيام يا الدفع يا الإخلاء. دي خياراتكم.
قفلت السكة.
خلال 3 أيام، جيسيكا حاولت تبعت لي المحامي بتاعها، وحاولت تبعت أمي اللي جاتلي الشقة وهي منهارة وبتقولي هتشردي أختك؟، قلت لها هي اللي شردت نفسها لما صرفت فلوس القسط على المظاهر الكدابة ونسيت إن البيت ده مش ملكها.
يوم العيد الكبير، جيسيكا اتصلت، صوتها كان مكسور وحقيقي لأول مرة.
أنا آسفة يا نينا.. أنا كنت غيرة منك، كنت بحاول أقنع نفسي إني أحسن منك عشان أداري إني محتاجة لك. أنا اللي علمت أيدن كدة.. أنا غلطانة.
قلت لها أنا مش هحجز على البيت.. بس عندي شروط.
أي حاجة!
القسط هيزيد، وهتدفعي المتأخرات كلها بانتظام. والأهم.. هتعتذري لي قدام العيلة كلها، وتقولي الحقيقة إن أنا اللي أملك البيت ده، وإنك أهنتيني وأنتي عايشة
بفضلي.
يوم العيد، جيسيكا وقفت قدام الكل، وشها في الأرض، وحكت الحكاية كاملة. قالت إنها كدبت عليهم كلهم، وإن البيت ده بيت نينا. أيدن جه مسك إيدي وقالي أنا آسف يا طنط نينا.. ماما قالت لي إنك مش الخدامة، أنتي البوص المديرة.
أمي بكت، وخالي سكت بكسوف، وجوزها وطي راسه.
أنا دلوقتي قاعدة في شقتي، مرتاحة. مش عشان الفلوس، بس عشان مقامي
أنا مش الخدامة.. أنا صاحبة البيت.