كنز الخردة وأنقاض الثراء
8 استشاريين من النخبة كانوا واقفين في صمت رهيب حوالين السرير في أفخم جناح في مستشفى "أنجيليس" بمدينة مكسيكو سيتي. شاشة مراقبة القلب اللي كانت بأحدث طراز مكنتش مبيّنة غير خط أخضر واحد، طويل ومستمر.
خط ميت.
ابن الملياردير "أليخاندرو جارزا"، اللي عنده 5 شهور بس، لسه معلنين وفاته إكلينيكياً. الأجهزة اللي مستوردة بملايين الفلوس فشلت، وأذكى وأغلى العقول الطبية في البلد فشلت هي كمان. التكييف في الأوضة كان ساقع لدرجة تخلي الدموع تتجمد.
وفي اللحظة القاسية دي، طفل عنده 10 سنين، جسمه نحيف من قلة الأكل ووشه متغطي بتراب وعوادم العربيات، اقتحم جناح العناية المركزة الخاص بالقوة.
كان اسمه متى.
ريحته كانت شارع ودخان وزبالة من منطقة "خوتشياكا"، المكب العملاق اللي كان عايش فيه. كوتشيه كان ملزوق ببلاستر عريض، وعلى كتفه شوال بلاستيك كبير مليان ازايز فاضية كان بيحك في أرضية الرخام النضيفة الغالية. اتنين أفراد أمن جريوا وراه وهم بيشتموه وبيحاولوا يكتفوه، وممرضة بلبس العمليات صرخت فيه بقرف عشان يخرج فوراً وهي سادة
بس متى مكنش باصص للأمن، متى كان شايف حاجة تانية خالص، حاجة صغيرة أوي، حاجة الـ 8 دكاترة العباقرة وأجهزتهم اللي بملايين الدولارات متخيلوش إنها موجودة.
في نفس اليوم الصبح، تحت شمس العاصمة الحارقة، متى كان بيلم بلاستيك قريب من المكاتب الشيك في منطقة "ريفورما". كان عايش في عشة صفيح وكرتون جنب قضبان القطر مع جده "دون شيما"، راجل عجوز حكيم كان دايما بيعلمه درس واحد وهو بيفرز الزبالة: "يا ابني، غني كنت أو فقير، عينيك هي أكبر كنز عندك. بص بتركيز، العالم دايماً بيخبي الحقيقة في أصغر الحاجات، في الحاجات اللي الناس بترميها عشان مش عارفين يبصوا صح."
في اليوم ده، متى لقى محفظة جلد سودة وتخينة بين الجنينة وبين الرصيف. جوه كان فيه رزم فلوس فئة الـ 1000 بيزو، وكروت بنك سودة ملهاش ليميت، وكارنيه باسم أليخاندرو جارزا، المدير العام. متى كان عارف الوش ده لأنه ساعات كان بيقرا الجرانين القديمة اللي بيلاقيها في الزبالة؛ ده كان واحد من أقوى وأغنى رجالة المكسيك.
متى كان ممكن يخلي الفلوس لنفسه، ومحدش في الدنيا
ولما عرف يهرب من الاستقبال ويوصل لطرقة الدور الـ VIP وهو ماشي ورا همس الممرضات عن "مأساة طفل عيلة جارزا"، لقى الدنيا مقلوبة.
أليخاندرو جارزا كان واقف زي الصنم، ووشه باهت. ومراته "فاليريا"، الست اللي من طبقة المجتمع المخملي، كانت بتعيط بهستيريا وهي ماسكة شنطتها "البراند". الـ 8 دكاترة كانوا محاوطين الحضانة وملامحهم كلها هزيمة.
"مفيش حاجة تانية العلم يقدر يعملها يا دون أليخاندرو،" ده اللي قاله الدكتور "فيلالوبوس"، رئيس قسم الأطفال بصوت كله جدية. "فيه انسداد شديد وغريب في مجرى الهواء. الأشعة مش مبينة أي جسم معدني أو عضوي غريب. شاكين إنه ورم داخلي طلع فجأة وسد القصبة الهوائية."
صوت أليخاندرو، الراجل اللي بيتحكم في خيوط البلد، اتكسر تماماً: "اعملوا أي حاجة، هدفع اللي تطلبوه، اشتريلكم أي أجهزة محتاجينها!" لكن الرد كان قاطع: "إحنا استنفدنا كل الوسائل
في اللحظة دي، متى فك نفسه من إيد الأمن وظهر ورا الباب الإزاز: "يا باشا.. أنا جيت عشان أرجعلك محفظتك."
فاليريا لفت، وعينيها كانت حمراء من العياط، وصرخت بقرف أول ما شافت لبس الولد المبهدل: "يا ربي! مين اللي سمح للصرصار القذر ده يدخل أوضة ابني؟ خرجوه بره حالاً، ده هيجيب لنا عدوى!" واحد من الأمن مسك متى من رقبة قميصه المقطوع عشان يخرجه بعنف.
أليخاندرو، وهو غرقان في وجعه، بص للولد بجمود: "مش وقتك يا حبيبي.. اخرج بره.. ابني لسه ميت." متى وهو بيعافر عشان يتنفس تحت إيد الأمن، مد إيده بالمحفظة: "أنا لقيتها واقعة قدام المكتب بتاعك في ريفورما."
فاليريا قربت وخطفتها من إيده بقرف وفتحتها بسرعة: "أكيد سرقت الكاش اللي فيها يا شحات! افتشووه وكلموا البوليس!" الدكتور فيلالوبوس دخل في الموضوع وزق متى بصياعه وهو خايف يوسخ بالطوه الأبيض: "خرجوه فوراً، دي أوضة معقمة، أنتوا بتلوثوا المكان."
بس متى مكنش سامعهم أصلاً. مكنش فارق معاه شتيمة الست الغنية، ولا قوة الأمن، ولا غرور الدكتور. عينيه السودة