السر الذي لم يغرقه الموج
إلى الماء تبعه الثاني بعد لحظات واختفيا تحت الغطاء الرمادي للمياه بينما بقي الفريق على القارب يراقب أجهزة الاتصال ويترقب أي إشارة.
تحرك الغواصان ببطء بين الصخور والطحالب يقطع الضوء القادم من مصابيحهما الظلام على شكل دوائر متحركة فوق القاع الرملي هدفهما بسيط وواضح
البحث عن أي شيء غير طبيعي أي شيء معدني أي شيء ثقيل أي أثر للحقيقة المدفونة.
مرت عشر دقائق ثم عشرون ومع ذلك كان الهدوء يخفي توترًا متصاعدًا على سطح القارب ثم توقف أحد الغواصين فجأة فعلى بعد أمتار قليلة أمامه لامس نظره شيء يلمع بخفوت بين الطحالب اقترب ببطء وكشف مصباحه عن سلسلة حديدية نصفها مدفون في الرمل.
انحنى قليلًا، ووجه الضوء عليها وفي تلك اللحظة تجمد كأن الزمن توقف كانت هناك عظمة بشرية أشار بيده بسرعة للغواص الآخر فاقترب الاثنان بحذر وأزاحا الطحالب ببطء لتظهر أمامهما حقيقة صادمة هيكل عظمي كامل مربوط بالسلسلة.
ولم يكن هذا الهيكل وحده فبعد أقل من مترين ظهر هيكل عظمي آخر صامت ميت حاملاً قسوة البحر معه.
على سطح القارب التقط جهاز اللاسلكي صوتًا متقطعًا فرفع فلوريس الجهاز فورًا جاء الصوت مشوشًا تحت الماء ثم استقر على وضوح مفزع
لدينا اكتشاف
توقف الصوت لحظة قبل أن يُكمل بوضوح أخّاذ
عثرنا على بقايا بشرية.
ساد صمتٌ ثقيل فوق القارب ومن ثم رفع فلوريس عينيه نحو المياه لثوانٍ طويلة قبل أن يكسر الصمت بصوتٍ هادئ وثابت
ثبّتوا الموقع سنبدأ عملية الرفع.
امتدت العملية لساعات الطويلة إذ كان على الغواصين تثبيت السلاسل
لم يلبث الأمر طويلًا حتى بدأت التحاليل في مختبر الطب الشرعي في مونتيري لم تستغرق عملية تحديد الهوية وقتًا، فمطابقة الحمض النووي والأسنان أكدت ما كان الجميع يترقبه بقلقٍ مكبوت الهيكلان العظميان كانا يعودان إلى
ميريديث كالدويل
وديفيد هاربر
لكن التقرير لم يكتفِ بتحديد الهوية بل كشف عن الحقيقة الأشد قسوة
الطريقة التي وُجدت بها الجثتان كلاهما مربوط بسلسلة حديدية ثقيلة مثبتة بوزن معدني في قاع البحر مما يعني شيئًا واحدًا لا يقبل الشك
لم يكن حادث غرقٍ بل جريمة قتل.
في صباح اليوم التالي كان ماركوس أشفورد يجلس في مكتبه الزجاجي المطل على خليج سان فرانسيسكو عندما دخلت سكرتيرته بوجه متوتر وهمست بصوت خافت
هناك رجال شرطة في الخارج.
رفع ماركوس رأسه ببطء وظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يقول بهدوءٍ جامد
أدخليهم.
دخل المحقق فلوريس برفقة ضابطين ووقفوا أمام المكتب بينما بقي ماركوس جالسًا في مكانه كمن يعرف أن النهاية قد اقتربت.
قال فلوريس بهدوءٍ حاسم
السيد ماركوس أشفورد لدينا أمر باعتقالك.
نظر إليه ماركوس دون أن يحرك ساكنًا وسأل بصوت خافت
بأي تهمة؟
أجاب فلوريس بصوتٍ يزن كل كلمة
القتل المزدوج.
عمّ الصمت المكتب للحظة ثم التفت ماركوس نحو الخليج الممتد في الأسفل تنهد ببطء ولم يحاول المقاومة،
كنت أتساءل متى سيحدث ذلك.
وخلال التحقيق بدأت الصورة الكاملة تتضح أخيرًا في تلك الليلة بعد أن أعلن ديفيد نيته بيع حصته في الشركة أدرك ماركوس أن كل شيء كان على وشك الانهيار الصفقة السرية التي خطط لها كانت مرهونة ببقاء ديفيد شريكًا لكن ديفيد اكتشف حقيقة مأساوية
أن ماركوس كان يخاطر بأموال الشركة في استثمارات مشبوهة وأن انسحابه في تلك اللحظة لن يُنهك الشركة فحسب بل قد يُلقي بماركوس مباشرةً إلى براثن العدالة والسجن.
بدأ الشجار حول طاولة العشاء لكنه لم يلبث أن امتد إلى غرفة المعيشة حيث ارتفعت الأصوات وتحوّلت الكلمات إلى اتهامات لاذعة وكأن الهواء نفسه أصبح مشحونًا بالغضب.
ثم جاءت الضربة.
سقط ديفيد أرضًا بعد أن دفعه ماركوس بعنف وحين حاول النهوض أصابته ضربة أخرى بسكين الفاكهة المسند على الطاولة وبيد صديقه المقرب لكن هذه المرة لم يتحرك بعدها.
كانت ميريديث تقف في زاوية الغرفة مذهولة يعتصر قلبها الرعب، ثم قالت بصوتٍ مرتجف إنها ستتصل بالشرطة.
في تلك اللحظة أدرك ماركوس أن كل شيء قد انتهى إلا إذا لم يبقَ شاهد يكشف سره فشرع في تنفيذ خطته الماكرة إذ رسم على وجهه ملامح الندم ببراعة محاولًا الاقتراب من ميريديث التي صدقته بعد أن أقسم لها أن تصرفه لم يكن مدبرًا بل اندفاعًا أحمقًا للدفاع عن النفس وأنه سيخضع للعدالة لتقتص منه كي تلقَ روح صديقه السلام.
لكن ما إن شعرت بالاطمئنان حتى باغتها قبضة فلاذية التفت حول عنقها لتسلبها أنفاسها الأخيرة في لحظة صمت قاتل
في منتصف الليل تقريبًا نقل ماركوس الجثتين إلى قاربه بعد أن لفهما بأغطية سميكة وربط السلاسل حولهما ثم أبحر بهدوء نحو المنطقة الصخرية أمام المنزل وهناك أسقط الأوزان في قاع البحر مقتنعًا بأن المياه ستبتلع كل شيء وتخفيه إلى الأبد.
لكن أثناء النقل سقط هاتف ميريديث من جيبها كان داخل الجراب الأصفر المقاوم للماء، وغاص ببطء بين الشعاب ليبقى هناك خمس سنوات كاملة حتى وجده غواصٌ بالصدفة.
بعد أسبوع من اعتقال ماركوس وقفت جانين مرة أخرى أمام منزل الشاطئ.
كان الهواء قارصًا والبحر يمتد أمامها بلا نهاية كلوحة صامتة تروي ما بقي من أسرار.
اقترب منها فلوريس وقال بهدوءٍ متأمل
في النهاية لم يكن هناك سر معقد.
نظرت جانين إلى الأفق وقالت بهدوء
لا.
لم يكن هناك لغزٌ مستحيل ولا مؤامرة ضخمة إذ بدأت أحداث الليلة تتكشف لكن النهاية جاءت كالصفعة
البحر الذي ظن ماركوس أنه خفي فيه جريمته كان شاهدًا صامتًا على كل شيء وأعاد الحقيقة إلى سطح العالم بلا رحمة.
الجراب الأصفر، الهاتف، الجثتان، كل شيء خرج إلى النور ليؤكد أن الخوف والغضب يمكن أن يدفنا في الظلام لكن الحقيقة دائمًا تجد طريقها.
وفي النهاية وسط صمت البحر الممتد ظل فلوريس وجانين واقفين على الشاطئ ينظران إلى الأفق وكأنهما يعلمان أن العدالة ليست مجرد كلمات بل فعل وأنه مهما طال الزمن لا أحد يستطيع أن يخبئ الظلام إلى الأبد فالبحر كسر صمته وأثبت مرة أخرى أن الأسرار