توأم الروح والجسد
المحتويات
أن يغفر له قال لكن ستحبينني الآن أيضا
بكت السيدة إسبيرانثا كما لو أدركت أخيرا حجم خطيئتها
سأحبك كثيرا حفيدي الاثنين
في تلك الليلة أكلوا البيتزا جالسين على الأرض لأنهم لم يثبتوا الطاولة بعد أخذ بابلو قضمة بطيئة يتذوقها كأنها شيء مقدس
إنها أفضل بيتزا في حياتي قال
لماذا سألت السيدة إسبيرانثا
لأنها أول مرة آكل فيها البيتزا مع عائلتي كلها معا
ساد صمت مليء بالدموع لا دموع حزن بل ذلك الألم الجميل الذي يأتي حين يبدأ شيء مكسور بالالتئام
شيئا فشيئا توقف بابلو عن تخزين الطعام في جيوبه كما لو كان يخشى أن تسلب منه اللقمة في أي لحظة لم يحدث ذلك دفعة واحدة كان التغير بطيئا مترددا مثل طفل يتعلم أن يثق بعد أن قضى عمره كله يتوقع الخذلان
في البداية كان ما يزال يأكل بسرعة ثم يتلفت حوله كمن ينتظر صراخا أو عقابا وإذا امتلأت معدته قبل أن يطمئن قلبه كان يضع ما بقي من الخبز في منديل ويخبئه تحت الوسادة ولم تكن دانييلا تنتزعه منه ولا تعنفه كانت تبتسم فقط وتقول له بهدوء اتركه إن شئت وغدا ستجد أكثر منه
وكان الغد يأتي فعلا
وبعد أيام بدأ بابلو يفعل شيئا صغيرا لكنه كان عظيما في معناها صار يترك قطعة صغيرة في الطبق دون
بعينيها قبل لسانها نعم
ثم في ليلة من الليالي حدث ما لم يتوقعه أحد نام بابلو نوما عميقا دون أن يضع الخبز تحت وسادته وعندما استيقظ صباحا ووجد الإفطار جاهزا وقف في مكانه طويلا كأنه لا يفهم كيف يمكن للحياة أن تكون بهذه البساطة التفت نحو ماتيو ثم ابتسم له ابتسامة صغيرة خجولة وقال اليوم ما رح أخبي
ضحك ماتيو وكأنه انتصر في معركة صامتة وأمسك يد أخيه وراح يجره إلى الطاولة لا كمن يأخذ ضيفا بل كمن يعيد شيئا إلى مكانه الصحيح
وأما الضحك فقد جاء ببطء أيضا في البداية كان بابلو يبتسم فقط عندما يضحك الآخرون ثم يطلق ضحكة قصيرة وينظر حوله بقلق كأنه ارتكب خطأ كانت دانييلا تلاحظ ذلك فتقول له الضحك ليس جريمة يا بابلو فيسكت قليلا ثم يحاول مرة أخرى
إلى أن جاء يوم عاد فيه من المدرسة وهو يحمل ورقة رسم رسم بيتا كبيرا له شجرة ورسم أربعة أشخاص وطفلين كتب تحتها بحروف مرتجفة هذا بيتي ثم نظر إلى دانييلا بارتباك وقال هل ممكن أعلقها فأجابته دون تردد بل نعلقها في أجمل مكان وعندما علقوها شعر بابلو للمرة
وفي المدرسة بدأت المعلمات يلاحظن شيئا يثير الدهشة التوأمان كما صار الناس يسمونهما لا يتنافسان كما يفعل كثير من الأطفال بل يكمل أحدهما الآخر بطريقة غريبة ومؤثرة كان ماتيو اجتماعيا مندفعا يحب اللعب والصوت والحكايات بينما كان بابلو أكثر هدوءا دقيقا يلاحظ التفاصيل ويخاف من الأخطاء
إذا تعثر ماتيو في مسألة الحساب اقترب منه بابلو وهمس له بخطوات الحل كأنه يحميه من الإحراج وإذا خاف بابلو من المشاركة في الصف رفع ماتيو يده وقال بحماسة أنا وبابلو بنجاوب سوا! فيتجرأ بابلو لأن أحدا يقف بجواره
وكانت المعلمات يقلن لدانييلا أحدهما يعلم التركيز والآخر يعلم اللعب وكأن الله أعطى كل واحد منهما ما ينقص الآخر
أما كونسويلو فكانت قصتها تتغير هي الأخرى لكن بطريقتها البسيطة كانت تجلس على الطاولة في المساء تخرج نظارتها القديمة وتحاول أن تتهجى الكلمات ببطء كي تساعد في الواجبات لم تكن تخجل من أنها لا تقرأ جيدا كانت تخجل فقط من أنها لا تستطيع أن تمنح بابلو أكثر مما منحته في الماضي
وفي إحدى الليالي بعد أن أخطأت في قراءة كلمة اعتذرت وهي تضحك بحرج لكن بابلو نظر إليها بجدية وقال أنت أعطيتني
في الأسبوع التالي سجلت نفسها في دروس محو الأمية لم تفعل ذلك
لتبدو أفضل أمام الناس بل لتكون قادرة على أن تقول لابنها أنا أتعلم من أجلك ومن أجل نفسي أيضا وكانت دانييلا تراها وهي تحمل دفترا صغيرا وتعود مبتسمة فتشعر أن البيت لا يرمم طفلين فقط بل يرمم امرأة كانت الحياة قد كسرتها ببطء
ومع مرور الشهور بدأ البيت المتواضع يتحول من غير تخطيط إلى مكان يقصده الآخرون انتشرت القصة في الحي أولا ثم في المدرسة ثم بين الأمهات في الأسواق حكاية طفل ضائع عاد إلى حضن أمه وحكاية امرأة فقيرة أحبت طفلا ليس من رحمها كأنه ابنها
وفي يوم ما جاءت زوجان شابان لم يحضرا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة كانت عيناهما متعبتين وصوتهما مكسورا من كثرة الانتظار قالا لكونسويلو سمعنا قصتك ونريد أن نتبنى طفلة أكبر سنا قالوا لنا إن الأمر صعب وإنها ستتعبنا وإنها لن تثق بنا نحن خائفان لكننا لا نريد أن نؤذيها ماذا نفعل
جلست كونسويلو أمامهما لا كمختصة ولا كخبيرة بل كمن عاش الحقيقة بجلده قالت لهما ببطء لا تطلبا منها أن تثق
متابعة القراءة