الفخ الصامت

لمحة نيوز

الوراني اللي قصاد المخزن.
قال لي وهو واقف على السلم يمكن مفيش حاجة.. شوية عيال بيتحرشوا بالبيت أو قطط. بس كدة عشان قلبك يطمن، تمام؟
وفعلاً، قلبي اطمن.
لحد ما جه صباح يوم الاتنين.. اليوم اللي كان المفروض الهانم ترجع فيه شقتها في المهندسين. فتحت الموبايل وكأني بفتح باب جهنم. التسجيل كان واضح لدرجة إن ريحة الغل كانت طالعة من الشاشة.
شوفتها وهي بتفتح صندوق مجوهرات ستي اللي كان مخفي ورا برطمانات السمنة وبتبص للفصوص الألماظ القديمة بعينين جعانة. شوفتها وهي بتدلق مية نار مخففة على شجر الورد اللي ستي كانت بتسقيه بدموعها، وبتقول لنفسها عشان تموت ريحة الفلاحين دي من هنا خالص.
في اللحظة دي، مابكيتش. البرود اللي شوفته منها اتنقل لي.
الساعة 8 الصبح، حازم كان نايم جنبي، وتليفونه رن. كان الصول إبراهيم من نقطة الشرطة اللي في البلد.
حازم رد وهو لسه بنومُه أيوة يا صول.. فيه حاجة؟ أيوة والدتي إيه؟! اتقبض عليها؟ بتهمة إيه؟
حازم قام اتنفض من السرير، ووشه بقى أصفر زي الكركم. بص لي وهو مش فاهم حاجة ليلى.. بيقولوا قبضوا على أمي وهي طالعة من البيت.. ومعاها حاجات مش ملكها، وبلاغ بتخريب متعمد!
قمت ببرود، لبست روبي، وقولتله وهو عيني في عينه
والله يا حازم، الكاميرات مابتكذبش. والصول معاه الفيديو لايف وهي بتعبي دهب ستي
في شنطتها، وهي بتبوظ الزرع اللي مالهوش ذنب.
حازم صرخ إنتي اللي مبالغة؟ دي أمي يا ليلى!
رديت عليه وصوتي طالع من حتة بعيدة أوي
دي اللي قالت على بيت ستي مقلب
زبالة.. واللي قالت على ستي كركوبة.. واللي جاية تسرقني في عزي وتخرب أرضي. الأم اللي تسرق وتخرب مابتستناش حد يحميها يا حازم. انزل النقطة، هتلاقيها هناك.. بس المرة دي الجمهور اللي كانت بتعشقه، هيكون عساكر ومحاضر.
خرجت وسيبته واقع في نص الأوضة مش عارف يصدق ولا يكدب، دخلت المطبخ، وعملت كوباية شاي بالنعناع، وفتحت الشباك. حسيت ريحة اللافندر بتاع ستي رجعت تملا المكان تاني، وكأن روحها بتطبطب على كتفي وبتقولي عاش يا بنت قلبي.. الأرض مابتخونش اللي بيصونها.
دخلت نقطة الشرطة وأنا ماشية بخطوات واثقة، كعب جزمتي بيخبط في الأرض الرخام كأنه دقات ساعة الحساب. حازم كان واقف بره وشه في الأرض، مش قادر يبص لي ولا قادر يدافع عن أمه اللي متلبسة صوت وصورة.
أول ما دخلت المكتب، شوفتها.. الهانم عفاف.
كانت قاعدة على كنبة خشب متهالكة، عقد اللولي لسه في رقبتها بس مطفي، والروج الأحمر اللي كانت بتسم ببه ب قرف كان ممسوح وسايح على جناب بوقها من العياط والتوتر. أول ما شافتني، قامت وقفت ونفضت جاكتها ب كبرياء زائف وصوتت
أهي.. أهي الحرباية وصلت! قولي لهم يا ليلى إن الحاجة دي بتاعتي.. قولي لهم إنك إنتي اللي اديتيني علبة الدهب دي هدية!
الظابط بص لي بهدوء يا مدام ليلى، الست دي بتقول إن الدهب ده ملكها، وإني إنتي اللي طلبتي منها ترش المواد دي في المخزن عشان الحشرات..
ده حقيقي؟
سحبت كرسي وقعدت قصادها بالظبط، حطيت رجل على رجل، وبصيت في عينيها اللي كانت بتبرق بالغل والخوف. طلعت الموبايل
بتاعي، وفتحت الفيديو اللي هي فيه بتقول لو حازم عنده دم كان باع الخرابة دي.
قولت للظابط بصوت هادي ومسموع
يا فندم، الست دي كانت ضيفة في بيتي، والضيف بيتحط فوق الراس.. طالما هو إنسان. بس اللي يمد إيده على ورث ميت، ويخرب زرع وشجر عمره سنين، يبقى مش ضيف.. يبقى حرامي ومخرب.
عفاف صرخت أنا حرامية يا جربعة؟ أنا يا بت بتوع الفطير والمشلتت؟
رديت عليها بابتسامة باردة
الجربعة هي إنك تسرقي دهب فلاحين عشان تداري بيه فقرك الأخلاقي يا طنط. والبيت اللي سميتيه مقلب زبالة هو اللي كشفك على حقيقتك. الكاميرات سجلت كل حاجة.. من أول ما فتحتي الدرج بالمفك، لحد ما كنتي بتدلقي السم في الأرض.
قربت منها وهمست بحيث هي بس اللي تسمع
الدهب هيرجع مكانه في المخزن، وإنتي مكانك هنا.. وسط الجمهور اللي كنتي بتدوري عليه. حازم عرف كل حاجة، وشاف فيديو الكركوبة.. تفتكري لسه فاضل لك عنده رصيد؟
وشها بقى لونه أزرق، ووقعت على الكنبة وهي بتنهج. بصيت للظابط وقولتله
أنا متمسكة بالبلاغ يا فندم. القانون ياخد مجراه.. عشان ستي ترتاح في تربتها، وعشان الخلايا النايمة اللي زيها يعرفوا إن بيوتنا ليها أسياد يحموها.
خرجت من المكتب، لقيت حازم واقف ورا الباب. بص لي بكسرة وقال خلاص كدة يا ليلى؟
طبطبت على كتفه ببرود وقولتله
البيت نضف يا حازم.. والزبالة اللي كانت فيه، اترمت في المكان الصح.
حازم جري ورا ليلى لحد باب العربية،
مسك إيدها وهو صوته مخنوق
ليلى.. دي أمي! مهما عملت، هتفضلي حابسة أمي؟ الناس هتقول علينا
إيه؟ والفضايح اللي هتحصل في العيلة؟
ليلى وقفت وبصت له نظرة خلت جسمه يقشعر، نظرة فيها قوة ستي ست أبوها وهي واقفة في غيطها
الناس يا حازم؟ إنت خايف من كلام الناس ومش خايف من اللي عملته فيا وفي ذكرى ستي؟ أمك ما فكرتش في الناس وهي بتمد إيدها على دهب مش بتاعها.. ما فكرتش في الناس وهي بتموت شجر عمره أربعين سنة عشان بس تكسر قلبي.
حازم نزل راسه في الأرض أنا عارف إنها غلطت.. بس دي ست كببرة، السجن هيموتها.
ليلى فتحت باب العربية وقعدت، وقبل ما تقفل الباب قالت له بكلمات زي الرصاص
السجن مش هيموتها يا حازم.. اللي هيموتها هو إنها عرفت إن ليلى الفلاحة طلعت أذكى منها، وإن العشة اللي كانت بتتريق عليها طلعت هي المصيدة اللي كشفت وسخها. أنا مش هتنازل.. ده حق ستي، وحق البيت. لو عايز تروح لها، الباب مفتوح.. ولو عايز ترجع البيت اللي بجد، يبقى تنسى إن ليك أم خاينة للأمانة.
طلعت ليلى بالعربية وسابت حازم في نص الطريق، بين نار أمه ونار مراته اللي اكتشف إنها مابتتكسرش.
رجعت ليلى البيت في البلد.. دخلت المطبخ، وبصت على علبة المجوهرات اللي الظابط رجعها لها حرز مؤقت لحد ما القضية تخلص. فتحتها وبصت لخاتم ستي الألماظ القديم.. لبسته في إيدها، وحست بدفا غريب بيسري في جسمها.
طلعت الجنينة، ووقفت قدام شجر المشمش اللي عفاف حاولت تموته.. سقت الأرض مية صافية، ومسحت على الجذع المبلول وهي بتقول
معلش يا غاليين.. شوية عفارة ودخلت البيت وكنسناها. بكرة الزهر يطلع
تاني، والريحة الحلوة هتملا
المكان.. والبيت ده هيفضل طاهر زي
ما ستي سابته.

تم نسخ الرابط