برطمان المخلل القديم متكسرش لما هبد في الأرض

لمحة نيوز

الإيجار.
الساعة تمانية وأربع دقائق الصبح يوم الثلاثاء، مريم كانت واقفة قدام مراية الطرقة؛ لابسة جينز، وبلوزة بيضاء، وجاكت كحلي، ولمة شعرها لورا نفس اللمة العادية اللي بتروح بيها الشغل كل يوم.
وشها كان هو وشها.. بس عينيها مكنتش هي.
عينيها كانت عينين ست فتحت ضلفة دولاب كراكيب.. فلقيت وراها باب لجهنم!
حطت المفتاح بوجهه الأزرق في جيبها، وطلبت عربية عشان تروح للعنوان المكتوب في عقد الإيجار.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الشقة ولا في مراته التانية؛ الصدمة كانت في ورقة صغيرة منسية في قاع العلبة الحديد، ورقة بخط محامي بيكشف إن الفلوس اللي شريف بيبني بيها حياته التانية ويدلع بيها بنته فريدة، هي الفلوس والورث الذهب اللي سابتهولها جدتها في البنك، والشر اللي ناوي يعمله فيها لما يرجع يوم الجمعة عشان يخلص من وجودها خالص وياخد كل حاجة!
وصلت مريم للعنوان الساعة تسعة إلا ربع الصبح.
العمارة كانت قديمة شوية، مطلية بلون بيج باهت، وفي مدخلها زرع ذابل محتاج مية من زمان.
وقفت قدام باب الشقة رقم 3، وإيديها باردة رغم حر يونيو.
طلعت المفتاح الأزرق من جيبها، وبصت له ثواني طويلة.
كان معاها حق تفتح الباب.
لكنها مردتش.
خبطت.
مرة.
واتنين.
وبعد لحظات سمعت خطوات خفيفة من جوه.
الباب
اتفتح.
وقفت قدامها ست سمراء في أواخر التلاتينات، شعرها مربوط بعشوائية وعينيها فيها إرهاق سنين طويلة.
ناهد.
الاتنين فضلوا باصين لبعض كام ثانية.
مريم كانت متخيلة إنها هتشوف شيطانة سرقت جوزها.
لكن اللي شافته كان ست مرهقة، لابسة هدوم بيت بسيطة، وعلى وشها نفس علامات الخداع اللي كانت عايشة بيها هي.
قبل ما ناهد تتكلم، رفعت مريم صورة من الصور اللي جابتها معاها وقالت بهدوء
أنا مرات شريف.
لون وش ناهد اختفى مرة واحدة.
وكأن حد سحب الدم من جسمها.
رجعت خطوة لورا وهي بتهمس
إيه؟
دخلت مريم الشقة.
كانت الشقة صغيرة ونظيفة.
وفي الركن كانت طفلة قاعدة على سجادة ملونة بترسم.
رفعت رأسها وابتسمت
ماما، مين دي؟
مريم بصت للبنت.
فريدة.
البنت اللي كانت سبب انهيار عالم كامل.
لكنها كانت مجرد طفلة بريئة.
قعدت مريم وناهد قدام بعض على السفرة.
وبدأ الكلام.
بعد ساعة كاملة من الصور والعقود والتواريخ، اكتشفوا الحقيقة كاملة.
شريف كان متجوز مريم رسمي.
ومتجوز ناهد بعقد عرفي أقنعها إنه هيوثقه أول ما تنتهي مشاكل الميراث.
كل واحدة كانت فاكرة إنها الزوجة الوحيدة.
كل واحدة كانت بتصدق نفس الأكاذيب.
والمصيبة الأكبر إن ناهد نفسها كانت بتشتغل خياطة من البيت وبتصرف من شغلها على نفسها وعلى بنتها في
شهور كتير، بينما شريف بيحكي لكل واحدة قصة مختلفة عن ظروفه وأزماته.
لكن الصدمة الحقيقية ظهرت لما مريم طلعت الورقة الأخيرة.
ورقة المحامي.
ناهد قرأتها أكتر من مرة.
ثم قالت بصوت مرتعش
يعني هو ناوي يسرقك؟
مريم هزت رأسها.
أكتر من كده.
الورقة كانت نسخة من مراسلات بين شريف وأحد السماسرة.
وفيها كلام واضح عن نقل أصول مالية باسمه بعد الانتهاء من إجراءات تخص ميراث مريم.
وفي سطر واحد مكتوب
بعد ما نخلص موضوع الزوجة هيبقى الوضع آمن.
الجملة كانت مرعبة.
خصوصاً إن شريف كان مؤمن على حياة مريم قبلها بسنة بمبلغ ضخم جداً.
هنا فهمت مريم إن الموضوع أكبر من خيانة.
بكتير.
خرجت من الشقة وهي وناهد متفقتين على شيء واحد
ولا واحدة هتواجهه لوحدها.
خلال الثلاث أيام اللي بعدها، اشتغلوا في صمت.
مريم راجعت حساباتها البنكية.
وأوقفت صلاحيات كانت مديالهالها.
وجمدت إجراءات تخص الميراث.
وراجعت محامي متخصص.
أما ناهد فجمعت رسائل وصور ومكالمات وتسجيلات تثبت علاقتهما وكل أكاذيبه.
يوم الجمعة.
رجع شريف.
نفس الشنطة الكحلي.
نفس الابتسامة الباردة.
دخل الشقة وهو بيقول
وحشتيني.
مريم كانت قاعدة على السفرة.
هادئة بشكل أخافه.
أول مرة.
سألها
مالك؟
قالت
اقعد.
قعد.
وبدأت تحط قدامه ورقة ورا ورقة.
الصور.
العقد.

الفواتير.
رسومات فريدة.
كارت ناهد.
ثم نسخة من ورقة المحامي.
مع كل ورقة كان لون وشه بيتغير.
لحد ما بقى أبيض تماماً.
حاول ينكر.
حاول يكذب.
حاول يصرخ.
لكن كل حاجة كانت موثقة.
وفي اللحظة اللي افتكر فيها إنه يهددها، رن جرس الباب.
فتح.
فلقى ناهد واقفة.
وراها محامي.
وراهم اتنين من رجال المباحث.
لأن المحامي كان بلغ عن شبهة احتيال واستيلاء على أموال ومحررات مزورة.
ساعتها فقط عرف شريف إن اللعبة انتهت.
اتقبض عليه.
واستمرت التحقيقات شهور.
وخلالها ظهرت حاجات أكتر بكتير مما توقع أي حد.
ديون مخفية.
تزوير توقيعات.
وحسابات كان بيحول عليها فلوس من غير علم أصحابها.
القضية كبرت.
وأحكام متعددة صدرت ضده.
وفي النهاية خسر كل شيء.
شغله.
فلوسه.
وسمعته.
أما مريم...
فباعت الشقة القديمة بعد سنة.
واشترت شقة أصغر.
أهدى.
أنضف.
وأخف.
وفي أول يوم نقلت فيه حاجتها، لقت برطمان المخلل القديم وسط الكراتين.
نفس البرطمان.
اللي اتدحرج يوم الاتنين الساعة اتنين وستاشر دقيقة.
مسكته بإيديها.
فضلت تبص له شوية.
ثم ابتسمت لأول مرة من شهور.
لأنها فهمت حاجة مهمة.
إن حياتها ما انهارتش يوم البرطمان وقع.
حياتها الحقيقية بدأت يومها.
حطته في صندوق القمامة ونزلت.
من غير ما تبص وراها.
وفي طريقها للباب،
كانت الشمس داخلة من الشباك الكبير.
دافية.
وصافية.
وكأنها بتقول لها إن بعض النهايات المؤلمة مش بتكون نهاية الحكاية...
بتكون بداية النجاة.

تم نسخ الرابط