قصة ثمن الأصول ​بقلم منال علي

لمحة نيوز

من النهاردة البيت ده مابقاش بتاعك لوحدك.. أبويا وأمي هيعيشوا هنا، وإنتي اللي هتدفعي كل مليم يلزمهم.
ياسمين وقفت مكانها متسمرة، حتة القماشة المبلولة لسه بين صوابعها، قدام ترابيزة السفرة اللي ريحتها لسه ملمع خشب وعيش سخن لسه جاي من الفرن، وكنكة القهوة بردت على البوتجاز ونسيتها تماماً. برا كانت الساعة داخلة على تمانية بالليل، الشارع هدي بعد دوشة المغربية، ومن الشباك كانت رامية الإضاءة الصفراء بتاعة العواميد، الإضاءة اللي بتخلي أي بيت دافي.. أو مرعب.
وفجأة، سمعت صوت عربية ربع نقل بتقف قدام باب العمارة.
ما كانتش مستنية حد.
وأكيد ما كانتش تتخيل تشوف حماتها، طنط صفية، وهي نازلة ومعاها تلات شنط سفر كبار، وعلبة كرتون مليانة أدوية، وأباجورة نحاس قديمة، وقفص عصافير متغطي بجلابية قديمة جواه كاناري بيتحرك ببطء وصوت خفيف. ووراها الحاج شاكر، حماها، وهو بيجر كرسي خشب بيتطبق وشنطة سودا منفوخة جزم قديمة.
مدحت، جوزها، ما بانش عليه أي مفاجأة. بالعكس، ده جرى فتح باب الشقة وباب العمارة، وشال شنطة من إيد أمه وقال بكل برود
اتفضلوا يا جماعة.. ادخلوا، واقفين في الساقعة ليه.
ياسمين حست ب كبسة على نفسها، ومعدتها اتعصرت من الصدمة.
هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل ده؟
صفية دخلت الشقة من غير حتى ما تقول دستور يا أسيادنا، عينيها

كانت بتلف في المكان كأنها خبيرة بتثمن شقة لسه شارياها. عانت عينيها على النيش، الصور القديمة المتعلقة، ومفاتيح الشقة اللي محطوطة جمب الباب.
يا حبيبتي يا ياسمين.. تسلم إيدك الشقة بتبرق. احنا هلكانين من السفر والطريق.. أوضة الضيوف هتبقى مريحة أوي لينا.
لينا؟ ياسمين كررت الكلمة بذهول.
مدحت هرب بعينيه منها ومبصش في وشها
أبويا وأمي باعوا شقتهم.. مابقاش ينفع يعيشوا لوحدهم في السن ده. هيعيشوا معانا هنا.
ياسمين ضحكت ضحكة صفرا، سخرية مليانة توتر
والله؟ وده قرار خدته مع نفسك وجاي تنفذه بعد ما الشنط دخلت باب الشقة؟
الحاج شاكر رمى دوسيه بلاستيك كحلي على السفرة
ودي شوية حسابات ومصاريف كده معلقة.. وبما إننا بقينا في بيت واحد وعيلة واحدة، الأصول تقول إنك تمدي إيدك وتساعدي.
ياسمين فتحت الدوسيه.
الدنيا لفت بيها، وحست الأرض بتميل تحت رجليها.
الفاتورة والحسابات كانت ب 3 مليون جنيه! مصاريف نقل، ديون مستشفى، إيجار مخزن للعفش القديم، توضيب حمام مخصوص، مرتبة طبية، وحتى شاشة تلفزيون سمارت 65 بوصة لأوضة الحاج والحاجة عشان يتسلوا.
نعم؟ ياسمين رفعت عينيها ببطء وبصت لمدحت. ممكن أفهم اسمي مكتوب هنا بصفتي إيه؟
صفية ربعت إيديها، وبصت لها بنظرة ناشفة، من النظرات اللي بتخلط بين الاحترام والعبودية
عشان مدحت قالنا إنك إنتي
اللي بتقبضي أكتر ومركزك في الشغل أحسن.. والبيوت المحترمة بتشيل بعضها يا حبيبتي.
ده مش شيل بعض.. ده اسمه استغلال وقرصنة!
مدحت خبط بكف إيده على السفرة خبطة هدت البيت، وفنجان القهوة اتقلب ودلق على المفرش
دول أبويا وأمي!
وده بيتي أنا! ياسمين ردت وصوتها بيترعش من كتر الغضب والغل. البيت ده أنا اللي شارياه بفلوسي ومن شقايا قبل ما أعرفك وأتجوزك.. العقد مسجل شهر عقاري باسمي أنا!
صفية لوحت ببقها باستخفاف وقالت بحقد
أهو عشان كده عمري ما ارتحتلك.. دايما تفكيرك مادي.. بيتي حاجتي فلوسي عقودي
الملكية بتبان قيمتها لما تلاقي ناس داخلة تفرض سيطرتها من غير إذن!
مدحت وشه جاب ألوان وعروقه برزت من العصبية
إنتي اتجننتي؟ إنتي مش هتتكلمي مع أهلي بالطريقة دي!
يبقى ما تجيبهمش هنا يبلطجوا في بيتي!
السكوت اللي بعد كده كان تقيل أوي، زي قعدة عيلة الكل فيها بيبتسم كدب بس عشان المظاهر.
وفجأة، ياسمين شافت في عيون جوزها نظرة وجعتها أكتر من أي زعيق أو إهانة.
ما كانتش نظرة كسوف أو كسرة عينه من الموقف..
كانت نظرة غل وغضب، عشان هي ببساطة مسمعتش الكلام ومكسرتش رأسها ورضخت للي عايزه.
مدحت مشي ناحية الدولاب، سحب شنطة سفر كبيرة وبدأ يحط فيها هدومها بعشوائية، بيحشرهم حشر من غير ما يطبقهم. إيشارب وقع على الأرض، ومعاه بلوزة لسه مكوية.
ياسمين جريت وراه، وقلبها كان هيقف من الصدمة.
إنت بتعمل إيه؟ إنت اتجننت؟
اطلعي برا اتعلمي الأدب واهدي شوية، قالها بكل قسوة وهو بيقفل السوستة بعنف. لما تعرفي يعني إيه تكوني ست بيت وتصوني جوزك وأهله، ابقي ارجعي.
مدحت.. أقسم بالله لو عملتها
بس هو ما استناش تخلص كلامها. فتح باب الشقة، حدف الشنطة على بسطة السلم، ومسكها من دراعها وزقها برا. ياسمين كعبلت ورجليها حافية على بلاط السلم الساقع، وحست بصدورها بتضيق لدرجة إنها مش عارفة تاخد نفسها من القهر.
جوا، كانت صفية واقفة في الصالة بتبص لها من ورا الباب بنظرة انتصار وشماتة تشفي الغليل
يمكن اللقمة الناشفة دي تعلمها شوية ركوع وأدب.
الباب اترزع في وشها، وصوت تكة المفتاح وهي بتلف قفل على كل حاجة.
ومن ورا الباب، ياسمين سمعت صوت كرسي بيتجر، وكراتين بتتفتح، وصوت ضحكاتهم الخافتة وهم بيستقروا ويرتبوا نفسهم في الشقة اللي هي دفعت تمنها بسنين من عمرها وصحتها وشغلها ليل نهار.
الليلة دي، نامت على كنب شقة صاحبتها ندى. ما عيطتش ولا نزلت دموعها. كانت ماسكة الموبايل بس وضغطاه على صدرها.. وبعتت 4 رسائل لجهات مختلفة.
الساعة 614 الصبح بالثانية..
مدحت فتح باب الشقة وهو راسم على وشه ابتسامة ثقة وعنجهية، مستني يلاقيها نايمة على السلم مكسورة، بتبكي وبتترجاه يسامحها وتدخل
شقتها.
بس ياسمين ما رجعتش لوحدها.
وراها كان فيه بوكسين
تم نسخ الرابط