ثمن الخديعة

لمحة نيوز

وجه كريم باللون الأصفر وظهر عليه الارتباك الشديد، فمددت يدي ووضعت أمامهما على الطاولة ملفاً جلدياً قديماً يحتوي على عقد ملكية الشقة المسجل باسمي وحدي، ومعه وصية موثقة من زوجي الراحل كتب فيها بنداً واضحاً وصادماً لا يخرج من هذا البيت ولا يُحرم من خيره إلا من كسر قلب صفية أو تطاول عليها.
بدأ كريم يصرخ بهستيرية ويقول إنني أمه ولا يمكنني طرده في الشارع من أجل خصلات شعر، فقلت له ببرود قاتل لن أطردك اليوم، سأمنحك ثلاثين يوماً كاملة لتعرف وتذوق قيمة السقف الذي أهنت صاحبتة وتآمرت عليها. في صباح اليوم التالي مباشرة، لم أضيع دقيقة واحدة؛ ذهبت إلى محامٍ خبير، وقمت بتوجيه إنذار رسمي على يد محضر يطالب بخلائهم من الشقة لعدم ملكيتهم لها، ولم أكتفِ بذلك، بل توجهت إلى البنك وأوقفت فوراً جميع البطاقات المصرفية التي كان كريم يستعملها ويسحب منها مستحقات معاش والده دون علمي بتفاصيلها كاملة. انقلبت حياتهما رأساً على عقب في لحظات؛ بدأت سها تصرخ وتولول بعد أن أدركت أنها ستطرد إلى الشارع، وبدأ كريم يتوسل إلي ويطلب مني أن أهدأ وأسامح، لكنني لأول مرة في حياتي أغلقت قلبي تماماً ولم أعد أسمع صوت ابني، لأن صوت كرامتي المهدورة كان أعلى وأقوى من أي عاطفة.
خلال فترة الثلاثين يوماً المهلة، قررت أن أسترد حقي الأدبي أمام الجميع وبأكثر الطرق دهاءً وهدوءاً. اتصلت بكل معارفنا
وأقاربنا وعائلاتهم الذين كانوا يظنون أن سها ملاك بريء، وحكيت لهم الحقيقة كاملة دون أن أرفع صوتي أو أفتعل الفضائح؛ أرسلت لكل واحد منهم عبر الهاتف صورة واضحة لضفيرتي البيضاء المقصوصة الملقاة على الأرض، وأرفقت معها صورة من تقرير طبي رسمي نجحت في استخراجه يثبت التعدي النفسي والجسدي الذي تعرضت له وأنا نائمة. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وعلم أهل سها، وأهل زوجي، والجيران جميعاً أن هذه المرأة التي كانوا يظنونها هادئة ومطيعة، تسللت كاللصوص إلى غرفة أرملة مسنة نائمة وقصت شعرها لتذلها وتكسر كرامتها أمام ابنها. تحول النصر الذي ظنته سها إلى عار يلاحقها في كل مكان، وفي اليوم العشرين من المهلة، جاء والد سها إلى منزلي يجر أذيال الخيبة والاعتذار، وكان يبكي بحرقة من شدة الخجل، وتفت وجه ابنتها أمامي وقال لها بحسم وقسوة المرأة التي تهين أم زوجها وتعتدي على شيبتها لا تؤتمن على بيت ولا تستحق أن تكون زوجة، وأخذها معه إلى بيت أهلها مكسورة ومطرودة قبل انتهاء المهلة.
لكن الصدمة الأكبر والأكثر بشاعة لم تكن في طردهما أو انفضاح أمرهما أمام المجتمع، بل ظهرت عندما تلقيت اتصالاً هاتفياً من إدارة البنك الفرعي لإخطاري بأن كريم حاول سحب مبلغ مالي ضخم جداً من حسابي الشخصي مستخدماً توكيلاً عاماً قديماً كنت قد حررته له قبل سنوات طويلة لينهي لي بعض الإجراءات الحكومية ولم أقم
بإلغائه. عندما عاد كريم إلى البيت، واجهته بالأمر فأنكر بشدة وبدأ يحلف بالأيمان الكاذبة ويدعي أن هناك خطأ ما من البنك، لكنني صدمته عندما قمت بتشغيل تسجيل صوتي أرسله لي موظف البنك المخلص، كان التسجيل يحتوي على صوت كريم وهو يتحدث مع الموظف ويحاول إقناعه بتمشية المعاملة قائلاً له بوضوح أمي كبرت في السن وخرفت ومبقتش تفهم حاجة في الحسابات، مش هتعرف ومفيش مشكلة.
عندما سمع كريم صوته يتردد في أرجاء الصالون، سقطت كل أقنعته. في تلك اللحظة، توجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة نومي، فتحت الخزنة الصغيرة، وأخرجت ظرفاً مغلقاً بعناية كان زوجي قد سلمه لي قبل وفاته بأيام معدودة، وكان قد كتب على غلافه بخطه الواضح يفتح هذا الظرف فقط إذا خان كريم أمه أو غدر بها بعد وفاتي. فتحت الظرف أمام عيني كريم المرتعشتين، وأخرجت منه ورقة قانونية رسمية وموثقة، كانت عبارة عن عقد هبة مشروط، ينص على أن نصف ثروة زوجي الراحل بالكامل وكل أمواله المودعة في الحسابات المشتركة تذهب فوراً وبشكل تلقائي لجمعية خيرية لعلاج الأيتام، في حال ثبت قانوناً أو بشهادة الأم أن الابن حاول الاستيلاء على حقوقها أو إهانتها وتدمير حياتها.
سقط كريم على الكرسي كالجثة الهامدة، وشلت الصدمة أطرافه تماماً بعد أن أدرك أنه لم يخسر أمه وشقته وزوجته فقط، بل خسر أيضاً كل الإرث والمال الذي كان يطمع فيه طوال حياته وينتظر
موتي لأجله. لم أشعر بالشماتة تجاهه، ولم تفرعني دموعه الذليلة، بل شعرت فقط براحة وسلام داخلي عميق، وشعرت بأن زوجي الراحل قد خرج من قبره في تلك اللحظة ليحميني، ويدافع عني، ويرد لي اعتباري بعد أن خذلني ابني الذي حملته في أحشائي.
وفي اليوم الثلاثين والأخير من المهلة، حزم كريم حقيبته الصغيرة المتبقية له، وتوجه نحو الباب بخطوات ثقيلة ومكسورة. وقبل أن يغلق الباب وراءه ليرحل إلى مصيره المجهول، التفت إلي وعيناه تملأهما دموع الندم الحقيقي وقال بصوت مرتعش سامحيني يا أمي.. أرجوكِ سامحيني. نظرت إليه بنظرة طويلة مليئة بالهدوء والحسم، وقلت له كلماتي الأخيرة التي أنهت كل شيء سأظل أمك التي دعت لك بالهداية، لكنك منذ هذه اللحظة لم تعد ذلك الطفل الصغير الذي يمكنني أن أبرر له قسوته وجريمته.. ارحل يا كريم. أغلق الباب، وعدت وحدي إلى بيتي الهادئ. وفي نفس الليلة، بينما كنت أرتب غرفة زوجي الراحل وأعيد ترتيب أشيائه القديمة، فتحت الدرج الذي وضعت فيه المنديل الأبيض، وبينما كنت ألمس خصلات ضفيرتي البيضاء المقصوصة بحنان، عثرت في قاع المنديل على ورقة صغيرة مطوية بعناية لم أرها من قبل، كانت مكتوبة بخط زوجي الواضح والجميل، وكأنه كان يقرأ المستقبل، وكان مكتوباً فيها لو قصوا شعرك يوماً يا صفية، فتذكري دائماً أن الكرامة وعزة النفس لا تُقص ولا تنكسر أبدًا، وأن الله دائماً يمهل
ولا يهمل.

تم نسخ الرابط