وصية جُمدت ثلاثين عاماً

لمحة نيوز


أجابته سلمى والدموع تتحدر على وجنتيها بأنها ورثتها عن جدها عبد الرحمن الذي توفي منذ سنوات طويلة.
تجمد المدير في مكانه، وشحب لونه تماماً، وهمس بذهول قائلاً إن عبد الرحمن لم يكن مجرد رجل عادي كما تظن.
بل كان أحد المؤسسين الكبار والثلاثة لهذا البنك العريق، لكن اسمه شُطب واختفى تماماً من السجلات الرسمية إثر قضية غامضة وتصفية حسابات قديمة حدثت قبل عقود.
صُدمت سلمى من الكلمات، وتساءلت بذهول كيف لجدها أن يكون مؤسساً لبنك بهذا الحجم وهو الذي عاش طوال حياته فقيراً زاهداً في بيت شعبي صغير لا يملك فيه سوى كتبه وشطرنجه.
لم يجبها المدير شفهياً، بل توجه إلى خزنة حديدية سرية وجلب منها ملفاً جلدياً قديماً يعلوه الغبار، وفتحه أمامها على الطاولة.
رأت سلمى صورة قديمة لجدها عبد الرحمن وهو في سن الشباب، يرتدي بدلة أنيقة فاخرة، ويقف بصلابة بجانب رجال أعمال بارزين

ومسؤولين كبار.
وأوضح المدير لها أن هذا الحساب ظل مجمداً بأمر سيادي وصارم منذ ثلاثين عاماً.
ولا يمكن لأي إنسان على وجه الأرض الوصول إليه أو تفعيله إلا بحضور حامل البطاقة النحاسية الأصلية، وبشرط أن يكون من نسله المباشر.
انخرطت سلمى في بكاء مرير، فالصدمة لم تكن في الثراء الفاحش الذي هبط عليها وهي مشردة، بل في حجم الأسرار والمؤامرات التي حيكت حول عائلتها.
وأثنائ تقليب المدير لصفحات الملف القديم، عثر على رسالة مطوية بعناية مكتوبة بخط يد الجد عبد الرحمن نفسه.
وكانت الوصية تقول بوضوح إنه إذا وصلت هذه البطاقة إلى حفيدته سلمى، فعلى الجميع أن يعلموا أن ابنها، الذي هو والد سلمى، لم يمت في حادث طبيعي كما أشيع ونُشر في الصحف.
بل سُرق منه اسمه، ونُهبت أمواله، وتم التخلص منه لإخفاء الحقيقة البشعة.
ارتجفت سلمى وسقطت على مقعد قريب، وجسدها يرتعد بعنف شديد.
لقد
ترعرعت طوال عمرها على قصة أن والدها مات في حادث سير غامض وهي طفلة رضيعة.
لم تكن تعلم أبداً أن وراء موته سراً مظلماً يتعلق بهذا البنك الفاخر.
وفي تلك اللحظات المشحونة بالتوتر والإثارة، انفتح الباب الخارجي للبنك ودخل رجل مسن يرتدي معطفاً أسود فاخراً.
كان يمشي على عكاز ذي رأس ذهبي، وكانت ملامحه حادة وقاسية للغاية.
ما إن وقعت عينا الرجل المسن على سلمى وهي تبكي، حتى توقف في مكانه وشخصت أبصاره من الصدمة.
وقال بصوت خافت يملؤه الذهول إن هذا مستحيل، وإن هذه الفتاة تملك عيون والدها الراحل تماماً ولا يمكن تخطئتها.
التفت المدير نحو الرجل المسن، وظهر الخوف الجلي في نبرته وهو يهمس لسلمى محذراً.
أخبرها بأن هذا الرجل هو الشريك القديم لجدها، وهو نفسه الشخص الذي تآمر وتولى إدارة البنك بالكامل وأصبح رئيس مجلس إدارته فور اختفاء جدها عبد الرحمن وموت والدها.
في تلك
اللحظة الرهيبة من المواجهة، سقطت البطاقة النحاسية من يد سلمى التي شُلت تماماً من هول الصدمة.
التقطت ابنتها الصغيرة ليان البطاقة من الأرض، ونظرت ببراءة وخوف إلى والدتها.
سألت الطفلة أمها إن كان جدها الراحل يعلم قبل سنوات طويلة أنهم سيمرون بكل هذا وسيجبرون على المجيء إلى هنا.
وقبل أن تجد سلمى القوة لتجيب على سؤال ابنتها، وتفك شفرة هذه المؤامرة العائلية التي امتدت لعقود طويلة.
رن هاتف المدير العام الموضوع على الطاولة فجأة وبقوة.
ظهر على الشاشة رقم مجهول وغير مسجل بالمرة.
وعندما فتح المدير الخط على مكبر الصوت وهو يرتجف، انطلق من الهاتف صوت رجل غامض، عميق وبارد كالموت.
قال الصوت بنبرة تهديد تقشعر لها الأبدان محذراً إياهم من تسليم الحساب أو الأموال للفتاة.
وأردف قائلاً بوعيد شديد إنها لو عرفت الحقيقة وتوصلت إلى مكان والدها، ستعرف بالتأكيد من الذي دفنه
حياً طوال هذه السنين.
 

تم نسخ الرابط