صدمة في المكتب: بداية الكابوس
الكلمات تجمّدت في حلقي، والتفتّ ببطء والدخان غير المرئي للصدمة يملأ الغرفة. كان أبي واقفاً عند الباب، ملامحه الصارمة التي طالما هابها رجال الأعمال في السوق تحولت الآن إلى قناع من الجمود المخيف. عيناه لم تكن تشع غضباً، بل كان فيهما بريق غريب... مزيج من الخوف والحذر.
"إنتي بتعملي إيه هنا يا وفاء؟" كررها بنبرة هادئة جداً، والهدوء في مواقف كهذه يكون دائماً أعنف من الصراخ.
حاولت أن أجمع شتات نفسي، والتقطت أنفاسي بصعوبة قائلة: "أبي.. أنت من طلب مني إحضار ملف الأوراق الخاصة بالشركات.. وأثناء بحثي، سقط هذا الظرف."
تقدم أبي نحوي بخطوات بطيئة ومدروسة، امتدت يده ليتناول المفتاح الصغير والصورة القديمة من يدي بحدة، ثم وضعهما في جيبه. نظر إليّ مطولاً وقال: "هذه أمور قديمة لا تهمك، ركزي في مستقبلك ودراستك فقط. خذي الأوراق المكتوبة ودعينا نخرج، أمك تنتظر في السيارة."
رغم محاولته إغلاق الموضوع، إلا أن نظراته المضطربة وطريقة
السفر المفاجئ والهدوء الذي يسبق العاصفة
سافر أبي وأمي في ذلك الصباح، ودعتهما بقلب مثقل بالأسئلة. ركبا السيارة الفارهة وتوجها نحو المطار للاحتفال بعيد زواجهما، وتركاني خلفي في تلك الفيلا الكبيرة التي تحولت في نظري فجأة من مسكن آمن إلى صندوق مليء بالأسرار المخيفة.
عدت إلى الداخل لأجد دادة سعدية تجلس في المطبخ، يداها ترتجفان وهي تمسك بكوب الشاي. جلست بجانبها وأمسكت بيدها: "دادة.. أنتِ تعيشين معنا منذ عقود، وتعرفين كل صغيرة وكبيرة. أخبريني بالحقيرقة، ما قصة الأعمام؟ وما هي الصورة القديمة التي يخفيها أبي في مكتبه؟"
تنهدت دادة سعدية تنهيدة عميقة امتزجت بالدموع، وقالت بصوت خافت: "يا بنتي.. البيوت أسرار،
كلمات دادة سعدية كانت بمثابة الضوء الذي أرشدني للخطوة التالية. بمجرد أن نامت الدادة في المساء، تسللت مرة أخرى إلى مكتب أبي. لم يكن هدفي الملفات هذه المرة، بل كان هدفي البحث عن أي خيط يقودني إلى مكان ذلك القفل.
ليلة كشف الأسرار: القبو المهجور
بحثت في كل زاوية، حتى لاحظت وجود سجادة عجمية ثقيلة مفروشة في زاوية المكتب تحت المكتبة الخشبية الضخمة. أزحت السجادة جانباً لأكتشف مفاجأة: باباً خشبياً صغيراً في الأرضية، كان مغطى بإتقان ومقفل بقفل نحاسي قديم وصغير... تماماً كالمفتاح الذي رأيته في ظرف أبي!
تذكرت أن أبي وضع المفتاح في جيب سترته التي تركها في غرفته قبل السفر، إذ غير ملابسه ليرتدي ملابس مريحة للرحلة. ركضت إلى غرفته، وبحثت في الخزانة حتى وجدت السترة،
عدت إلى المكتب، وقلبي يدق كطبول الحرب. وضعت المفتاح في القفل، ودار المفتاح بسلاسة. فتحت الباب الأرضي، وانبعثت رائحة الرطوبة والغبار المخزّن منذ سنوات طويلة. نزلت السلالم الحجرية الضيقة مستعينة بضوء هاتفي المحمول.
كان القبو يحتوي على صناديق خشبية قديمة، وأوراق يعلوها الغبار. فتحت الصندوق الأول لأجد وثائق وعقود ملكية قديمة جداً. بدأت أقرأ والذهول يشل حركتي:
- المفاجأة الأولى: الفيلا التي نعيش فيها والشركات الضخمة لم تكن ملكاً لأبي وحده، بل كانت إرثاً عائلياً مشتركاً بينه وبين أعمامي الثلاثة وخالي الغائب!
- المفاجأة الثانية: وجدت وثائق قضائية ودعاوى حجر وتزوير، تبين أن أبي وأمي (بحكم وظيفتها كمحامية ذكية) قاما بحبك مؤامرة قانونية معقدة قبل عشر سنوات، استغلا فيها ثقة الأعمام، وتمكنا من نقل جميع الأملاك والشراكات باسم أبي وحده، وطرد الأعمام وتشريدهم بعد اتهامهم بقضايا مالية
باطلة لتهديدهم بالحبس إن طالبوا بحقهم!