اختي كانت طمعانه في شقتي اللي سددت تمنها من لحمي

لمحة نيوز

وبعدها بثواني بعتت رسالة تانية مكتوبة: أنا وأمي جاين لِك الشقة دلوقتي، ومش هنمشي إلا لما تدّينا كلمة حق!

أول ما وصلت الشقة الإيجار اللي قاعدين فيها مؤقتاً، لقيت مريم بنتي راحت في النوم. البنت من يوم ما خلصت امتحانات وهي بتعوّض تعب السنة كلها ومبتصحاش.

دخلت على طراطيف صوابعي عشان مصحّهاش، ووقفت جنب شباك الصالة أبص على الشارع والشجر اللي بيتحرك مع الهوا، وكلام هالة لسه بيرن في ودني: خير البيت كله. مش قادرة أستوعب الجبروت ده!

فجأة، جرس الباب ضرب ورا بعضه بعشم وغل.. من غير ما أبص في العين السحرية عرفت مين.

فتحت الباب.

هالة كانت واقفة وعينها حمرا طق ومغلولة كأنها جاية في خناقة شوارع، وأمي واقفة وراها، ملامحها كلها حرج وفي إيدها شنطة فاكهة، كأنها جاية زيارة عادية!

لمياء! .. هالة أول ما خطت عتبة الباب شرّعت في الزعيق .. بقى بتقفلي السكة في وشي؟!

كعب جزمتها كان بيخبط في الأرض بيعمل رزع عالي، وعينها فضلت تلف في الصالة الضيقة بتفحص: وحتة تعالي بايعة شقة تشرح الصدر عشان تقعدي في الزريبة دي؟ إنتي مخك جرى له حاجة؟!

قفلت الباب وراهم بسرعة عشان الفضايح قدام الجيران: وطي صوتك يا هالة، مريم نايمة.

نايمة إيه وزفت إيه! .. صوتها علي أكتر .. الست هانم بنتك خلصت ورمت همها ورا ضهرها! وابني أنا يضيع؟ لو مستقبل وائل جرّاله حاجة بسبب النقل، أنا مش هأسيبكوا إنتي وبنتك!

أمي شدتها من إيدها بسرعة: جرى إيه يا هالة، اهدي شوية يا بنتي، وبعدين بصت لي وقالت: يا لمياء، بيع الشقة دي خطوة كبيرة، إزاي تخبي علينا ومتقوليش لأهلك؟ أختك حمقية آه، بس والله كل همها مصلحة العيال.

حطيت شنطة الفاكهة على التربيزة وأنا حاسة بحِمل على صدري مش قادرة أتنفس منه: يا أمي، هأقولها لآخر مرة، الشقة دي شقتي، لو كنت هأقولكم يبقى من باب العشم والود، مش فرض عليَّ، والورق انكتب والعربون اندفع،

ولو رجعت في كلامي هدفع شرط جزائي يقرّص.

تتدفعي! وتلغي الزفت ده! .. هالة زعقت بكل صوتها.

والشرط الجزائي ده إنتي اللي هتدفعيه من جيبك يعني؟ .. سألتها ببرود ميت.

سكتت ومتكلمتش، وفي ثانية، ملامحها اتديرت وبقت مكسورة، والدموع نزلت من عينها زي المطر: يا لمياء... إنتي إزاي بقيتي قاسية وقلبك حجر كده؟ بقى بتقفي تحسبيها معايا بالمليم؟ إحنا إخوات شقا عمر واحد!

رمت نفسها على الكنبة وفضلت تندب: أنا بقالي كام يوم منمتش من الهم والتفكير في المدارس... وإنتي من ورايا تروحي تبيعي الشقة! ده أبوكي وأمك هما اللي كبّروكي وساعدوكي تشتريها... ده رد الجميل ليهم؟

أمي لما شافتها بتعيط، اتلخبطت وجريت عليها: يا لمياء، قومي هاتي كوباية مية لأختك بسرعة، شايفة البنت قهرتيها وخليتيها تعيط إزاي؟

وقفت في مكاني، محركتش صباع.

المشهد ده أنا حافظاه صم، من وإحنا عيال صغيرة، هالة تعيط من هنا.. أطلع أنا الغلطانة والمذنبة من هنا.

سبيها تعيط يا أمي، العياط بيريح برضه.

البرود بتاعي ده خلّى هالة تفور وتتجنن زيادة، راحت قايمة واقفة ورفعت صباعها في وشي: لمياء! اخلصي قولي كلمة واحدة، هتلغي العقد ده ولا لأ؟!

مش هألغي. .. رديت بقطع كأنني بقطع حبل.

يعني بايعة أختك وأهلك وشايفة حالك؟ تمام! متعيطيش بقى على اللي هيحصل!

بصت لأمي وهي بتعيط: شايفة يا أمي؟ دي مبقتش شايفتنا أهلها أصلاً!

أمي ملامحها اتقبضت وبقت وحشة أوي، وقربت مني: يا لمياء... عشان خاطري أنا، بلاش البيعة دي ومتهديش البيت ده، وائل هو الولد الوحيد اللي هيشيل اسم العيلة...

الكلمة دي خلت قلبي يموت خالص من ناحيتهم.

أهو بان المستور.. ده الأصل والأساس في الحكاية كلها، في نظر أمي، البنت أنا وبنتي في الآخر ملناش دية وخرجنا لبيوت تانية، والولد هو اللي يستاهل كل حاجة.

بصيت لأمي وقلت لها بالراحة وبكل هدوء: الفلوس اللي بتقولوا

إن أبويا حطهالي أنا سددتهاله، وإنتي عارفة كده كويس يا أمي.

أمي وشها جاب ألوان ومعرفتش ترد، لا هي ولا هالة.

ابتسمت بحزن وقولتلهم: هو الله يرحمه حطلي المقدم مؤقت علشان كنت مطلقة ومش معايا راجل يسندني.

هالة قالت بغضب: وانتي اتسندتي خلاص وبنتك خلصت، المفروض تقفي جنبي... أنا قايلة لمحمود جوزي ميشلش هم سكن الواد، عايزين تصغروني قدامه أقول إيه أنا دلوقت؟

حسيت بالغضب من كمية الجبروت ده وقولتلها بغضب: يا سلام، لما هو راجل كده خليه يأمن لابنه مكان، أمال متجوازاه ليه لما هتحتاجي مساعدة مني؟!

هنا انفجرت هالة بأسوأ كلام عمري ما اتخيلت أسمعه بذات من أختي، قالت بغل: أيوه كده بانِت على حقيقتك، وده بقى اللي فارسك وواجع بطنك إنك إنتي اتطلقتي واترميتي وطليقك حتى مبيسألش في بنته... وأنا لسه بيتي عمران وجوزي بيموت فيا.. علشان كده مش عايزة تساعدينا وبتغلي مننا.

شهقت من الصدمة من كلامها اللي دبحني. أختي بتعايرني بطلاقي؟!

بصيت لأمي وأنا مصدومة، كنت مستنية ترد عليها أو تسكتها حتى، لكن وطت دماغها في الأرض زي العادة.

وقتها بصيت لهالة وابتسمت بطريقة استغربوها، واللي عملته خلاها تتمنى لو الأرض اتشقت بيها قبل ما تنطق اللي قالته.

ابتسمت، بس المرة دي كانت ابتسامة مختلفة تمامًا.

مش ابتسامة رضا ولا ضعف ولا حتى صدمة.

كانت ابتسامة حد خلاص وصل لآخر نقطة في التحمل، وقرر يشوف النهاية بنفسه.

هالة اتلخبطت من شكلي، وخطت خطوة لورا وقالت بتوتر:

إيه؟ إنتي بتضحكي؟ إنتي اتجننتي؟

وأمي رفعت عينها بسرعة: لمياء مالك يا بنتي؟

سكتّ ثانيتين، وبعدين قولت بهدوء غريب على نفسي:

أنا بس افتكرت حاجة.

قربت منهم خطوة واحدة، وعيوني ثابتة على هالة:

افتكرت إن طول عمري، أي مشكلة تحصل لازم أنا اللي أتنازل. أنا اللي أسكت. أنا اللي أدي. وأنا اللي أكون الغلطانة في الآخر.

هالة لسه متعصبة:

وإيه علاقة ده بالكلام اللي انقال؟!

رديت عليها بنفس الهدوء اللي كان بيخوف أكتر من الصريخ:

علاقته إنكِ متعودة إن صوتك يعلى وأنا أسكت.

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

بس المرة دي لا.

أمي اتغير لون وشها: يعني إيه لا؟ إحنا عيلة يا لمياء!

ضحكت ضحكة قصيرة موجعة:

عيلة؟ العيلة مش إن حد ياكل ويملي بطنه والتاني يفضل يدفع الثمن لوحده. العيلة مش إن بنت تتشال من الحساب، وولد يبقى هو الهدف الوحيد لكل حاجة.

هالة صرخت: إنتي بتقولي إيه على ابني؟!

قربت منها خطوة، وصوتي نزل أكتر:

بقول الحقيقة. ابنك مش مشكلتي زي ما بنتي مش كانت يوم مشكلتكم.

سكتت لحظة، وبعدين طلعت ورقة من الشنطة اللي كانت معايا من غير ما حد ياخد باله.

ورقة صغيرة بس شكلها قلب الجو كله.

ده عقد البيع.

أمي بصت لها بسرعة: ليه طلعتيه؟

قلت بهدوء:

عشان أريحكم.

رفعت عيني فيهم واحد واحد:

الشقة اتباعت خلاص. والفلوس اتحدد مصيرها. ومفيش رجوع.

هالة وشها اتشد فجأة:

يعني إيه مفيش رجوع؟! إحنا لسه بنتكلم!

رديت:

إنتي مش بتتكلمي، إنتي كنتي بتأمري.

سكتت ثانية، وبعدين كملت وأنا بصيت لأمي:

وأنتي كنتي بتوافقي.

الهدوء اللي وقع في الأوضة كان تقيل لدرجة تخنق.

مريم اتحركت جوه الأوضة، صوت بسيط خلّى قلبي يلين لحظة، بس رجع يتقفل تاني بسرعة.

بصيت على الباب اللي ورايا وقلت:

أنا مش هخسر بنتي عشان حد شايف إن حياتها أقل من ابن حد تاني.

هالة ضحكت بسخرية:

يعني هتقطعي رحمك؟

سكتت ثانيتين وبعدين قولت الجملة اللي خلتها تبصلي بصدمة لأول مرة:

هو الرحم اللي بيتقطع هو اللي بيستنزف حد واحد بس يا هالة.

أمي همست:

لمياء إنتي بتكسري البيت بإيدك.

لفيت لها:

البيت كان بيتكسر من زمان، بس أنا اللي كنت بلمّه.

خطوة للخلف وبصيت عليهم آخر مرة.

أنا مش زعلانة، أنا بس أخيرًا فهمت مكاني.

وبهدوء فتحت الباب.

هالة صرخت ورايا:

إنتي

رايحة فين؟!

وقفت لحظة على العتبة، من غير ما ألف:

رايحة أبني حياة، مش أبني رضا حد.

وخرجت.

والباب اتقفل.

بس المرة دي ما كانش اتقفل على شقة.

كان اتقفل على مرحلة كاملة من حياتها.

تم نسخ الرابط