ركبت طالبة جامعية السيارة الخطأ أمام مكتبة الجامعة وهي منهكة من الشغل

لمحة نيوز

تراجعت لينا خطوة للخلف وهي تمسك الصورة بيد مرتجفة، وعيناها لا تفارقان ملامح المرأة التي تشبهها بشكل مرعب، نفس العينين الواسعتين، نفس الابتسامة الخجولة، وحتى الشامة الصغيرة قرب الحاجب الأيسر.
أم نادر اقتربت بسرعة وأغلقت الصندوق بعنف كأنها تحاول دفن الماضي مرة أخرى، وهمست بصوت متوتر
لازم تنسي اللي شفتيه.
لكن لينا لم تستطع حتى أن تتنفس بشكل طبيعي، وقالت
مين دي؟ وليه كاتب إنها ما عرفتش إنه أبوها؟.
وقبل أن ترد أم نادر، دخل رامي المكتبة فجأة، كان وجهه شاحبًا بشكل لم تره فيه من قبل، وعيناه اتجهتا مباشرة إلى الصورة في يدها.
ساد صمت ثقيل جدًا.
ثم قال بهدوء مخيف
أم نادر... اتركيْنا وحدنا.
خرجت المرأة ببطء وهي تنظر إلى لينا بشفقة، فأغلِق الباب خلفها، وبقيت لينا واقفة أمام رامي كأنها ترى شخصًا آخر لا تعرفه.
قالت بصوت مكسور
مين ليلى؟.
نظر إليها طويلًا، ثم جلس على الكرسي وكأنه فقد فجأة القدرة على الوقوف، وقال
أمك.
شعرت لينا بأن

الأرض اختفت من تحت قدميها.
ضحكت بعصبية
أنت أكيد مجنون... أمي ماتت من سنتين، وأبويا مات قبل ما أولد.
رفع عينيه إليها وقال
هذا ما جعلوكِ تصدقينه.
اقتربت منه ببطء وقالت
تقصد إيه؟.
مرر يده على وجهه بتعب وقال
قبل خمسٍ وعشرين سنة كنت شابًا غبيًا يظن أن المال يحل كل شيء. أحببت فتاة اسمها ليلى... كانت تعمل في مكتبة صغيرة قرب الجامعة. بسيطة، عنيدة، وفقيرة... وتشبهك بشكل يخيفني كل يوم.
بدأ قلب لينا يخفق بعنف.
وأكمل
أحببتها بجنون، لكن عائلتي رفضتها. كانوا يريدون زواجي من ابنة شريك أبي. هددوني بقطع كل شيء عني... الشركة... المال... وحتى والدتي المريضة كانوا سيمنعون علاجها بالخارج.
سكت للحظة ثم قال بصوت مبحوح
وقتها كانت أمك حاملًا.
اتسعت عينا لينا بصدمة.
قالت لي إنها ستواجه الدنيا معي حتى لو عشنا في غرفة فوق سطح، لكنني كنت جبانًا... قلت لها أعطني بعض الوقت.
ابتسم بسخرية مريرة
وفي اليوم التالي اختفت.
اختفت؟
اختفت تمامًا. بحثت عنها
سنوات. دفعت أموالًا، استخدمت نفوذي، سألت كل شخص عرفها... لكن والدها أخذها وغادر بيروت بعد أن عرف بحملها.
شعرت لينا بدوار وهي تتذكر أمها، صمتها الدائم، خوفها من الحديث عن الماضي، والطريقة التي كانت تغيّر بها الموضوع كلما سألت عن أبيها.
قالت
لكن... كيف عرفت أنني أنا؟.
تنهد رامي ونظر إليها مباشرة
لم أعرف في البداية... أول مرة رأيتك فيها في السيارة شعرت فقط أنني أعرف وجهك. كان هناك شيء مألوف بشكل مؤلم.
ابتلع ريقه ثم أكمل
لكن عندما نمتِ على كتفي تلك الليلة... رأيت الشامة قرب عينك. نفس شامة ليلى.
شعرت لينا بالقشعريرة.
طلبت من نادر أن يبحث عن اسمك بعد أن أوصلناكِ للمنزل.
رفعت رأسها نحوه بصدمة
إذًا كنت تعرف منذ البداية؟!
قال بسرعة
لا... لم أكن متأكدًا. فقط بدأت أشك. وعندما رأيت تاريخ ميلادك... بدأت أخاف من الحقيقة.
صرخت فيه
فوظفتني لتتأكد؟! قربتني منك كأنني تجربة؟!
وقف فورًا وقال
لا! أقسم لكِ أن الأمر لم يكن هكذا.
لكنها كانت
تبكي بغضب لأول مرة أمامه.
كنت أظن أنك مختلف! كنت أظن أنك....
توقفت قبل أن تكمل.
اقترب منها ببطء وقال بصوت منخفض
كنتِ ماذا؟.
نظرت إليه بعينين دامعتين وهمست
كنت أظن أنني بدأت أحبك.
أغمض رامي عينيه كأن الكلمات طعنته.
ثم قال بصوت محطم
وأنا كنت أموت كل يوم لأنني بدأت أحبك أيضًا... قبل أن أعرف أنك ربما ابنتي.
ساد صمت مرعب داخل المكتبة.
شعرت لينا بالغثيان.
كل النظرات، كل اللحظات، كل القرب الذي شعرت به... تحول فجأة إلى شيء مخيف ومؤلم.
قالت بصوت مرتجف
أنا أكرهك.
ثم خرجت تركض من القصر.
ظل رامي واقفًا مكانه دون أن يحاول منعها.
لأول مرة في حياته، لم يكن المال ولا النفوذ قادرين على إصلاح شيء.
عادت لينا إلى شقتها وهي منهارة، وعندما رأت سارة وجهها عرفت فورًا أن كارثة حدثت.
جلست لينا على الأرض وهي تبكي وتحكي كل شيء.
ظلت سارة صامتة لدقائق ثم قالت
طيب... هل عندك دليل أكيد؟ تحليل مثلًا؟.
رفعت لينا رأسها ببطء.
في صباح اليوم التالي، وجدت
سيارة سوداء تنتظر أسفل البناية.
رفضت النزول في البداية، لكن أم نادر خرجت
تم نسخ الرابط