مقطف حماتي حكايات زهرة

لمحة نيوز

 قفلت الباب بالترباس، ورحت ناحية أوضتها ورجلي بتخبط في بعض، وقلبي بيدق زي الطبل. الريحة عند الباب كانت تخنق لدرجة إني ربطت إيشارب مبلول خل على مناخيري وبؤي عشان ما يغماش عليا.
فتحت الباب.. الأوضة كانت ساقعة تلج برغم إننا في عز الحر. رحت خطوة خطوة ناحية المقطف الملعون ده في الركن، وقعدت على ركبي قدامه. الحبال كانت متبتة ومعقودة عقد غريبة. جريت على المطبخ جبت كزلك كبير وحامي وبدأت أقطع الحبال والخيش بجنون، إيدي كانت بتترعش وعرقي نازل زي الماية.
قطعت آخر حبل، ورفعت الغطاء الخوص الثقيل.
الريحة هجمت على وشي ضربة واحدة خلتني أدوخ وأرجع لورا. وقفت بالعافية وبصيت جوه المقطف.
وفي اللحظة دي اتسمرت في مكاني، الدموع جفت في عيني، وصرخت صرخة مكتومة ماتت في حنجرتي من هول الصدمة المروعة.
جوه المقطف ماكنش فيه جثة ولا حاجة من اللي دارت في خيالي المرعوب. كان فيه كيس خيش أسود كبير، ومربوط بسلاسل حديد صغيرة، وتحته كميات رهيبة من الملح الصخري الخشن اللي غرقان في سائل أحمر لزج، وهو ده

مصدر الريحة العفنة اللي تقلب البطن.
بإيد بتترعش وعقل غايب من الصدمة، مسكت الكزلك وقطعت طرف الكيس الأسود، ووقعت الصدمة التانية على راسي زي الصاعقة. طلع منه لبس جوزي أحمد القديم اللي كان بيلبسه وهو شاب في البلد، وقطع قماش كفن أبيض مكتوب عليها طلاسم وحروف مش مفهومة باللون الأسود والأحمر، وصور قديمة لأحمد ومحمود أخوه، ومعاهم عروسة قماش متغرز فيها دبابيس طويلة في كل حتة في جسمها.
وقعت على الأرض من طولي وأنا مش قادرة أتنفس. حماتي.. الحجة ست أبوها اللي بنقول عليها بركة البيت، بتعمل سحر لعيالها؟!
فجأة انتبهت لصوت حك شديد ورايا. لفيت وشي ببطء وأنا بموت من الرعب، لقيت بنتي دارين واقفة على باب الأوضة، وعينيها مقلوبة لفوق، وبتحك رجليها في الأرض بنفس الطريقة والصوت اللي كنت بسمعه الساعة ٣ الفجر. البنت كانت زي المغيبة، وبتقول بصوت خافت وناشف مش صوتها
سيبيه.. هي هتيجي وتقطع إيدك.
شيلت بنتي وأنا بصرخ وفقدت السيطرة على أعصابي، جريت بيها على الصالة وقفلت باب أوضة حماتي. اتصلت بأحمد وأنا
بهلوس وببكي بهستيريا

الحقني يا أحمد.. أمك عاملة عمل في المقطف.. البيت مسكون.. بنتك بيحصلها حاجة غريبة!
أحمد ساب شغله وجري، وطبعًا في الأول ماكنش مصدق، ودخل الأوضة وهو بيزعق ويقولي
إنتي اتهبلتي يا نيرمين؟
لكن أول ما شاف المنظر، وشاف اللبس بتاعه والصور والطلاسم، وشم الريحة اللي بقت تخنق، وشه جاب ميت لون، ووقع على الكرسي ومش قادر ينطق.
أحمد مكدبش خبر، واتصل فورًا بشيخ من معارفه بيعالج بالقرآن، والراجل جه الشقة بسرعة. أول ما الشيخ دخل الأوضة، بدأ يقرأ آية الكرسي والمعوذتين بصوت عالي. وفجأة السائل الأحمر اللي في المقطف بدأ يفور ويطلع منه صوت غليان مرعب، والريحة زادت جدًا لحد ما الشيخ كب عليه مية مقري عليها قرآن وزيوت عطرية، وفك الدبابيس وهو بيستغفر، والريحة بدأت تختفي بالتدريج، وبنتي دارين فاقت من الحالة اللي كانت فيها وقعدت تعيط في حضني ورجعت لطبيعتها.
الشيخ بص لأحمد وقال له
يا ابني، ده سحر سفلي قديم مدفون، بس اللي عمله نقله هنا. السحر ده معمول عشان يربط الرزق ويسبب الفقر
والمرض، وعلشان كده أخوك محمود ماكنش طايق البلد وسافر مستعجل، وأمك كانت خايفة حد يلمسه لأنها مفكرة إنه بيحمي البيت، أو حد من الدجالين ضحك عليها وفهمها إن ده خير وبركة ليها ولعيالها بالجهل.

ماكملناش كلام، ولقينا الباب بيخبط بعنف. فتحنا، كانت حماتي. دخلت وعينيها بتدور في الشقة زي المجنونة، وأول ما شافت الشيخ وباب الأوضة مفتوح والمقطف متقطع، صرخت صرخة مكتومة ووقعت في الأرض مغمى عليها.
أحمد شال والدته ودخلها أوضتها، وبعد ما فاقت قعدت تبكي وتستغفر، واعترفت إن فيه دجال في البلد ضحك عليها من سنين بعد وفاة حمايا، وفهمها إن المقطف ده فيه حارس هيحمي عيالها من العين والحسد وهيجيب لهم الرزق، وبسبب جهلها كانت شايلاه في كل حتة ومفيش حد يقدر يقرب منه.
أحمد أخد والدته ورجعها البلد في نفس اليوم، لأننا ماكناش قادرين نعيش معاها في مكان واحد بعد اللي حصل، وقررنا نكثف لها العلاج والقرآن هناك. من يومها، الشقة رجعت لهدوئها، والريحة اختفت تمامًا، وبقيت كل ما أفتكر الأيام دي أبص لبنتي وأحمد وأحمد
ربنا إن السر اتكشف قبل ما الكابوس يقضي على عيلتي بالكامل.

تم نسخ الرابط