بعد 27 سنة خدمة… فصلوها بورقة واحدة، لكنها تركت فوق مكتب المدير ملفًا دمّر كل شيء
دفعات تمر عبر شركة استشارية موجودة على الورق فقط.
استردادات مكررة.
وتحويلات مرتبطة بحساب قريب أحد المساهمين.
كل شيء موثق.
بالتواريخ.
وبالأدلة الرقمية والنسخ الورقية.
— هذا خارج سياقه.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— وستجد الصفحة الحادية والأربعين أيضًا خارج السياق… خاصة التحويلات الخاصة بصيانة لم تحدث أصلًا داخل استراحة زوجتك السابقة. والصفحة الرابعة والخمسين كذلك… مكافآت “الاحتفاظ التنفيذي” التي منحتها لنفسك بينما كنت تفصل الموظفين بحجة تخفيض الميزانية.
أغلق الملف بعنف.
— أي اتهام بدون دليل قد يكلّفك كثيرًا.
— أنا لم أعد أعمل هنا… ولم يعد لدي شيء أخسره.
اقتربت قليلًا من المكتب.
— أنت لديك.
وقف من مكانه.
— من غيري رأى هذا الملف؟
نظرت إليه بهدوء زاده غضبًا.
— الأشخاص المناسبون.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت جهاز الاتصال الداخلي.
صوت الاستقبال كان مرتبكًا:
— أستاذ فهد… أعضاء لجنة المساهمين موجودين هنا… ومعهم مدققان خارجيان. يقولون إن الموضوع عاجل.
لم أُبعد نظري عنه.
أما هو… فأبعد عينيه عني لأول مرة.
اتجه نحو الزجاج.
عاد.
شد فكه بقوة.
ولثانية واحدة ظننت أنه سيصرخ.
لكنه فعل ما هو أسوأ.
حاول أن يبدو متماسكًا.
الرجل الضعيف دائمًا يظن أن بإمكانه تمثيل الثقة حتى بعد انهياره.
— لا تقولي أي كلمة — قال بصوت منخفض — الموضوع ما زال ممكن نسيطر عليه.
هززت رأسي ببطء.
— هذه هي المشكلة يا فهد… الموضوع تمت السيطرة عليه بالفعل. لكن بدونك.
طُرق الباب.
لم يرد.
لكنه فُتح رغم ذلك.
دخل ثلاثة من لجنة المساهمين، ومعهم فريق التدقيق، وخلفهم هناء من الموارد البشرية بوجه شاحب، تحمل نسخة من قرار فصلي وكأن الورقة تحرق يديها.
تحدث الشريك الرئيسي من شركة التدقيق أولًا:
— أستاذ فهد السالم، نحتاج وصولًا فوريًا إلى الخوادم المالية والسجلات المحاسبية وصلاحيات التوقيع كافة.
حاول فهد الابتسام.
— طبعًا… لكن أستغرب هذه الزيارة بدون تنسيق مسبق.
رفع أحد المساهمين الملف الرمادي من فوق المكتب.
— نحن لا نستغرب شيئًا…
نظرت هناء إليّ وكأنها فهمت أخيرًا لماذا وقّعت على إنهاء خدماتي دون نقاش واحد حول التعويض.
أما وجه فهد… فتحول إلى شيء قاسٍ ومشوّه تقريبًا.
— نورة سرقت معلومات سرية.
فتحت حقيبتي وأخرجت وحدة تخزين صغيرة.
وضعتها بجانب الملف.
— لم أسرق شيئًا… أنا فقط احتفظت بالنسخ. ونسخة أخرى وصلت بالفعل إلى المستشار القانوني لمجلس الإدارة.
هذه المرة أصبح الصمت ثقيلًا فعلًا.
فهد لم يعد يعرف أين ينظر.
ولا أي قناع عليه أن يرتدي.
التفت أحد المساهمين نحو هناء وقال:
— قرار إنهاء خدمات الأستاذة نورة يتوقف فورًا حتى إشعار آخر. ومن هذه اللحظة، يُعفى الأستاذ فهد السالم مؤقتًا من صلاحياته إلى انتهاء المراجعة الكاملة.
الصوت الذي خرج من فهد لم يكن صراخًا تمامًا.
كان صوت شخص يرى الأرض التي وقف عليها سنوات… تنهار فجأة.
— ما تقدرون تسوون هذا بسبب موظفة كبيرة حاقدة!
ولثانية، لم يتكلم أحد.
ثم تكلمت أنا.
— لم تفصلوني لأنني كبيرة
أمسكت الصندوق من الأرض.
وضعت حقيبتي على كتفي.
وقبل أن أخرج من المكتب الذي بنيناه معًا منذ أيام الرطوبة والمكاتب المكسورة… التفت نحوه للمرة الأخيرة.
— كنت محقًا… الشركة كانت تحتاج نقلة. وأنا فعلًا بدأت بها.
خرجت وسط نظرات لم تعد شفقة.
ولا توترًا.
بل فهمًا متأخرًا.
وخوفًا.
وربما… احترامًا.
أمينة كانت تبكي بصمت.
ماجد خفض رأسه عندما مررت بجانبه.
أما ريم… فكانت ما تزال واقفة خلف الاستقبال، والوردة الحمراء ترتجف بين أصابعها.
لم أستخدم المصعد.
نزلت عبر الدرج.
ببطء.
كأنني أخرج أخيرًا من مبنى كنت أحمله وحدي فوق كتفي طوال سنوات.
في الخارج، كانت شمس الرياض الحادة تضرب مواقف السيارات بقوة.
ورائحة الإسفلت الساخن امتزجت بشيء يشبه الحرية.
جلست على المقعد القريب، والصندوق عند قدمي، والحقيبة فوق كتفي.
اهتز هاتفي.
رسالة من رئيس مجلس الإدارة:
“أستاذة نورة، نحتاج منك ألا تغادري بعيدًا. سنحتاج مساعدتك… وليس
قرأت الرسالة مرتين.
لم أبتسم فورًا.
أغمضت عيني أولًا.
ثم نظرت إلى يدي.
لم تكونا ترتجفان بعد الآن.
وعندها فقط… ابتسمت.