جوز أمى طردني

لمحة نيوز

ميسواش مليم.
أخذت شوال هدومي المبلول والورقة الملطخة بالطين، ومشيت خطوة ورا خطوة والناس بتبص عليا بشفقة ممزوجة بفضول رخيص، لحد ما وصلت لعربيتي المتهالكة ورا البيت. ناديت على اتنين من عيال الحتة ساعدوني وزقوها لحد ما دارت وصوتها زأر في وسط الغيطان.
أخذت طريقي مباشرة لمخزن التلج القديم اللي على أول الترعة. المبنى كان عبارة عن كتلة خرسانية قديمة مصممة بجدران مزدوجة سميكة جداً من عهد الإنجليز، الأبواب الحديدية الكبيرة كانت مصدية ومقفولة بسلاسل تقيلة ضخمة. نزلت من العربية، وطلعت المفتاح النحاس اللي كان متخيط في جلابيتي، وقربت من القفل الصغير المخفي ورا السلاسل الكبيرة.
المفتاح دخل بسلاسة كأنه مدهون زيت، وبتكة واحدة قوية، القفل فتح، والسلاسل وقعت على الأرض بصوت رن في المكان كله. فتحت الباب الحديدي التقيل، وفاحت في وشي ريحة رطوبة قديمة وعفن وتراب بقاله سنين، بس الصدمة إن المكان مكنش فاضي ولا كان مجرد خرابة لفئران؛ المخزن من الداخل كان متقسم غرف تبريد قديمة جدرانها معزولة بالفلين والخشب، وفي نص الصالة الكبيرة كان فيه صندوق حديدي ضخم ضخامة غير طبيعية، ومثبت في الأرض بمسامير خرسانية، ومكتوب عليه بطلاء زيتي قديم اسم جدي أحمد عبد الرحمن.
فتحت
الورقة اللي مدحت رماها في الطين وقرأتها بتمعن تحت ضوء الشمس الضعيف اللي داخل من الباب؛ الورقة مكنتش مجرد عقد تنازل عادي، دي كانت رخصة حكومية قديمة جداً ومجددة سراً، ومكتوب في بند صغير تحت خالص إن الأرض المقام عليها مخزن التلج هي أرض حرم ترعة رئيسي دخل خط التنظيم الجديد للدولة، يعني الحكومة هتعوض صاحب الأرض والمبنى بملايين الجنيهات لعمل مشروع قومي، والتعويض مش هيتصرف إلا للي معاه حجة الملكية الأصلية باسم جدي وأمي.
هنا فهمت ليه مدحت كان هيموت ويخليني أمضي على التنازل ده بالذات؛ الظرف البيج اللي كان على تابلوه عربيته مكنش عقد بيع لصاحبه، ده كان إخطار نزع الملكية وقيمة الشيك الصادر من الحكومة باسم الوريث الشرعي.
بس اللعبة مكنتش مجرد فلوس تعويض؛ الصدمة الكبرى كانت جوا الصندوق الحديدي اللي في المخزن. استخدمت عتلة حديد كانت مرمية في زاوية المكان وكسرت قفل الصندوق، ولما فتحت الغطاء، اتقبض نفسي؛ الصندوق مكنش فيه دهب ولا فلوس، الصندوق كان جواه دفاتر حسابات قديمة جداً تخص تجارة جدي، وفي وسط الدفاتر دي، لقيت ألبوم صور قديم ومظاريف مغلقة.
فتحت أول مظروف، وقرأت الورق اللي جواه، ودمي تجمد في عروقي؛ دي كانت تقارير طبية وروشتات باسم أمي، بتاريخ يرجع
لسنة كاملة قبل وفاتها، والتقرير الصادر من معمل تحاليل كبير في القاهرة بيكشف إن نسب السموم في دم أمي كانت بترتفع بشكل منتظم وغير طبيعي، ومعاها مفكرة صغيرة بخط يد أمي كاتب فيها
مدحت بيحطلي حاجة في الشاي كل يوم، وجسمي بينحل، ومش قادرة أتحرك، وعرفت إنه بيمضي على أوراق القرض باسمي.. لو مت، يا إيمان يا بنتي، السر كله في مخزن التلج، الحجة والدليل تحت البلاطة الرابعة ورا صندوق التلج الرئيسي.
جريت كالمجنونة ورا الصندوق الحديدي، وبأطراف صوابعي قعدت أحفر في التراب لحد ما وصلت للبلاطة الرابعة، رفعتها ولقيت علبة صفيح قديمة، جواها حجة ملكية المخزن الأصلية، وفلاشة صغيرة، وشريط دواء مجهول، ومعاهم تقرير طبي شرعي كامل أمي كانت عملته سراً في مستشفى برا البلد لما هربت منهم ليوم واحد قبل ما يشتد عليها المرض.
في نفس اللحظة، سمعت صوت كبس عربية بره، وصوت تراب بيطير؛ مدحت وصل، ونزل من عربيته الربع نقل وعينه بتطق شرار لما شاف السلاسل مكسورة والباب مفتوح. دخل المخزن بخطوات سريعة ومرعبة، وضخم جثته في الضلمة وقالي بصوت فحيح الأفاعي كنت عارف إن أمك الحرباية مخبية الحجة هنا، هاتي الورق يا إيمان بدل ما أدفنك جنبها في الخرابة دي ومحدش هيحس بيكِ، البلد كلها عارفة إنك
مجنونة ورايحة ورا ورث ميسواش مليم.
أنا متهزتش، وقفت في مكاني، وطلعت تليفوني القديم من جيبي، وقلتله بابتسامة باردة هزت كيانه أنت صح يا مدحت، أنا جيت هنا عشان الورث، بس مكنتش أعرف إن ورث أمي ليا هيكون حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتك.
مدحت ضحك بسخرية وقرب مني عشان يمسكني من رقبتي، بس قبل ما يلمسني، المخزن كله اتملى بضوء أحمر وأزرق بيلعلع، وصوت سرينات البوليس هزت جدران الخرسانة القديمة. أربع عربيات شرطة حاصرت المكان، ونزل منهم رئيس المباحث ورجالته بأسلحتهم.
مدحت وقف مذهول ومش فاهم إيه اللي بيحصل، فقلتله وأنا بسلمه الفلاشة وعلبة الصفيح للضابط أنا مكنتش هبلة يا جوز أمي.. أنا كلمت نقطة الشرطة وعملت بلاغ رسمي بالقتل العمد وإخفاء أدلة جنائية وأنا في طريقي لهنا، والبث المباشر اللي شغال من تليفوني دلوقتي سجل كل كلمتين أنت قلتهم واعترافك بإنك كنت عارف كل حاجة.
مدحت وشه قلب أزرق، وصوابعه الشمال بدأت تنقر على فخذه بشكل جنوني وهستيري وهو بيترمي في الكلبشات، والبوليس بيسحبه برا المخزن وسط ذهول أهل القرية اللي اتجمعوا على الصوت، عشان يعرفوا إن الخرابة القديمة اللي كانوا بيخافوا يعدوا من جنبها، كانت هي المكان اللي حفظ حق اليتيمة وحبس القاتل بعد سنين
من الظلم.

تم نسخ الرابط