جوز أمى طردني

لمحة نيوز

جوز أمي رمى شوال هدومي في الطين والتراب على المصرف قبل الفطار، وقالي إن الورث الوحيد اللي أمك سابهالك هو مخزن التلج القديم المهجور اللي على أول الترعة، مبنى معفن ومقشّع ومحدش طايق يعدي من جنبه.
وبعدها ابتسم ووشه نور وهو بيرزع الباب الخشب وراه، عشان كان فاكر إني معرفش إنه بقاله سنة كاملة بيلف ويدور ويحاول يشتري المخزن ده بتلات أسامي مختلفة من ورايا. وأنا بلم حاجتي من على الأرض، لقيت مفتاح نحاس قديم بتاع أمي متخيط بحرفنة جوا بطانة الجلابية الشتوي بتاعتي.
معيطتش لما طرحتي وقعت في الطين.
معيطتش لما مدحت قالي قدامك نص ساعة وتغوري من بيته وورث أبويا.
معيطتش لما ملك أختي من أبويا كانت بتطل عليا من ورا الشيش بتاع الدور الفوقاني ومتحركتش.
معيطتش لما أهل البلد كانوا مهدّيين بالحمير والمواشي وبعربياتهم الكبوت عشان يتفرجوا عليا.
معيطتش حتى لما مدحت قرب مني لدرجة إني شميت ريحة المعسل والسجاير الكيلوباترا في نفسه وهو بيهمس أمك كان لازم تكسر عينك وتعلمك تبقي مفيدة وتخدمي قبل ما تموت.
أنا بس لميت قماشي المبلول، وحطيت المفتاح النحاس في كف إيدي وقفلت عليه، وبصيتله في عينه كأنه لسه مديني حجة الأرض حالاُ.
البيت الطوب الأحمر اللي وراه ده أصلاً عمره ما حسسني بأمان. كان بيت عالي على أول الداير، بلكونته خرسانة والحديد

بتاعها أزرق، وفيه كنبة قماش في المدخل مدحت مكانش بيخلي حد من قرايب أمي يقعد عليها عشان كان بيقول دي للقوة والوجاهة. أمي كانت زرعت ريحان ونعناع في صفايح سمنة على السلم قبل ما تزهق من كتر ما بيتحكم فيها ويذلها. وعلى أول الصيف، مدحت كان رمى الصفايح دي كلها في المصرف وحط مكانها قوارير زرع طوب سودا شبه المقابر.
الصبح ده، الندى كان مغرق الغيط اللي قدام البيت، والسما كانت رايقة، وربحة الحوش كانت طين وزريبة وجاز. مدحت كان واقف هناك بجلابيته الصوف والسديري وجزمته الشغل، وماسك في إيده آخر حاجة لسه مخباها؛ كوز الفخار الصغير اللي أمي كانت بتعمل فيه الشاي. كان فيه شرخ رفيع جنب اليد، كانت بتعمل فيه شاي الصبح بقالها عشرين سنة على الوابور.
قالي نسيتي ده يا بنت الأصول؟
وسابه يقع من إيده ليتكسر مية حتة تحت رجلي.
ملك شهقت من ورا الشيش، بس ماتحركتش. بصيت لحتت الفخار المكسور، وبعدين رجعت بصيتله بقوة وقلتله أنت بتغلط غلطة عمرك يا مدحت. الموضوع ده بسطه وضحك بسخرية، فقالي أنا غلطت فعلاً.. يوم ما دخلت البلد دي واتجوزت أمك. الكلام كان خارج كأنه رصاص، مش عالي، بس كان باين إنه منقي الكلام ده ومحضره ومستني اليوم ده من زمان.
عربيته الربع نقل الخضرا كانت دايرة وراه، وعلى التابلوه جنب الدريكسيون كان فيه ظرف بيج كبير ومنفوخ، ومحطوط
عليه ورقة لزق خضرا من بره مكتوب عليها بخط كبير امضي النهارده. أنا لمحت الكلمة دي، ومدحت لقط عيني وعِرف إني شفتها، فقفل باب العربية بكوعه وقالي عايزة تعملي فيها ست عاقلة وبتفهمي؟ روحي وريني شطارتك برا. أنتِ خدتي حقك شرع وقانون، مخزن التلج القديم اللي عند بركة الحاج أحمد. مبروك يا إيمان، أمك سابتلك خرابة مليانة خرا فيران وعفن وقرف.
قلتله أمي مكنتش تملك مخزن التلج ده عشان تديهوني، فوش مدحت اتغير وحنكه اتحرك حركة خفيفة أوي بس أنا لقطتها، فزودت كلامي أمي قالتلي إن جدي أحمد خسره في الديون والضرائب للحكومة من قبل ما أنا أتولد، فرد بسرعة والغل باين في صوته يبقى أمك كانت بتكدب عليكِ.
دي كانت تاني غلطة يقع فيها الحوت؛ الغلطة الأولى إنه رماني برا البيت قبل ما يفتش هدومي والجلابية بتاعتي، والتالتة إنه افتكرني لسه نفس الطفلة اليتيمة اللي كانت قاعدة ساكتة وبتعيط في عزا أمها وهو عمال يضايف في كبار البلد ويقعد في الصوان ويقول للكل إيمان دي في عيني وهي بنتي.
أنا كان عندي 22 سنة، ومعاييش في كيس فلوسي غير 47 جنيه، وعربيتي الكبوت القديمة المتهالكة كانت مأنتخة ورا البيت، ومبتشتغلش غير بالزق لما تصعب على حد من عيال الحتة، بس مكنتش غلبانة ولا لقمة طرية.
أمي ربتني في الضيق، وفي المحاكم، ومكاتب السجل العقاري في المركز،
وجلسات العرب والمجالس العرفية، ومحلات الحدايد والبويات. علمتني إزاي اسمع كويس وأفهم لما الرجالة يتكلموا كتير ويهرتلوا، وعلمتني أقرأ الوصل وأشوف التوقيع قبل ما أصدق الوعود والكلام المعسول، وعلمتني إن السكوت مش قلة حيلة؛ السكوت كان باب بيت مقفول بترباس قفل حديد، وساعات، لو صبرت كفاية ووكلت ربنا، الشخص الصح هو اللي هيسلمك المفتاح لحد عندك.
مدحت رمى عليا ورقة متطبقة تلات تطبيقات، خبطت في صدري ووقعت في الطين تحت رجلي وقالي ده عقد تنازل لله وللوطن، بيثبت بس إن البتاع ده بتاعك عشان تشيلي شيلتك. المكان ده كله مشاكل وقضايا؛ ضرائب، ومصاريف، وغرامات ومحاضر من مجلس المدينة. أنا عندي واحد صاحبي ابن حلال هيريحك من الصداع ده وياخده ب 500 جنيه ويوفر عليكِ الملوخية دي كلها.
شلت الورقة من الطين بطرف صوابعي مش عشان نيتي أمضي وأسلم، بس عشان صباعه الكبير الشمال كان عمال ينقر ويرعش على فخذه. مدحت كان بينقر كده ويفضح نفسه لما بيتوتر ويخاف
كان متعود ينقر جنب سرير أمي في الوحدة الصحية لما الدكاترة يسألوه عن الأدوية.
وكان بينقر في البنك الزراعي لما الموظف سأله هو ليه محتاج أمي تكون موجودة وتوقع بنفسها عشان يصرف القرض.
وكان بينقر في الترب لما سألته هي حجة الأرض وأوراق الجمعية الزراعية راحت فين.
ودلوقتي، كان بينقر على مخزن
تلج قديم بيقول عليه
تم نسخ الرابط