أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما توفيت زوجته أثناء الولادة

لمحة نيوز

الشرطة والصحافة.
تجمدت الدماء في عروقي. قال سامر آخر مرة شفته فيها، كان محتجز داخل مزرعة قديمة بطرف أم درمان. كنت أوصل لهم أدوية ومستلزمات. ما قدرت أساعده وقتها، لكن بعد موت الحاج أمس، الجماعة اتلخبطوا. الليلة فرصتنا الوحيدة.
نظرتُ إلى طه النائم. ثم إلى رسالة عادل المرتجفة بين يدي. شعرتُ بأن العالم كله يدور حولي بسرعة مخيفة. قبل ساعات فقط كنت امرأة تظن نفسها وحيدة ومكسورة. والآن ابني حي. وزوجي لم يخنّي. ورجل قد يكون معذبًا منذ شهرين بسببي. قال سامر بحدة لازم نتحرك الآن قبل ما ينقلوه. رفعتُ عيني إليه وأنا سأذهب معك. اعترض فورًا مستحيل. المكان خطر. قلتُ بصوت حاسم لأول مرة منذ شهور عادل خاطر بحياته من أجلي، لن أبقى هنا.
ساد الصمت لحظة. ثم نظر إلى الطفل وقال والولد؟. التفتُّ نحو سرير طه الصغير. كان يتحرك أثناء نومه، وكأنّه يشعر بكل شيء. اقتربتُ منه، ووضعتُ يدي على صدره الصغير. ثم همست سأعيد أباك إلينا. لففته جيدًا داخل البطانية، وحملته بين ذراعي. نظر سامر إليّ بدهشة ستأخذينه معك؟!. أجبته دون تردد لن أتركه ثانيةً ولو للحظة
واحدة.
بعد نصف ساعة، كانت سيارة سامر القديمة تشقّ شوارع الخرطوم المبللة بالمطر. المدينة بدت كأنها تختبئ داخل الضباب. وأنا في المقعد الخلفي، أضم طه إلى صدري بينما قلبي يدق بعنف. مررنا بجسر النيل الأبيض، ثم اتجهنا نحو طريق ترابي مظلم في أطراف أم درمان.
قال سامر بصوت منخفض المزرعة هناك. رأيت أضواءً خافتة وسط الأشجار. وسيارتين متوقفتين قرب سور حديدي قديم. أطفأ سامر المحرك فورًا. ساد الصمت. حتى المطر توقف. قال اسمعي، إذا حدث شيء، اهربي بالطفل فورًا. لكن قبل أن أرد، ظهر ضوء قوي فجأة في وجوهنا. ثم دوّى صوت رجل انزلوا من السيارة ببطء.
تجمّدتنا. خرج ثلاثة رجال من الظلام. أحدهم يحمل سلاحًا. فتح سامر الباب ببطء وهو يرفع يديه. أما أنا فكنت أضم طه بقوة حتى بدأ يبكي. اقترب الرجل المسلح من النافذة، وحين رأى الطفل، ضاقت عيناه. ثم قال جملة جعلت قلبي يتوقف إذًا أحضرتم الولد أخيرًا. شددتُ ذراعي حول طه حتى بدأ يبكي بصوت أعلى. الرجل المسلح اقترب أكثر من نافذة السيارة، وعيناه مثبتتان على الطفل كأنه شيء يخصه. قال ببرود انزلي بهدوء يا مدام مريم
ولن يصيبك أذى.
لكنني رأيت الخوف في عيني سامر. الخوف الحقيقي. همس دون أن يحرّك شفتيه لا تسلميهم الولد. وفي اللحظة نفسها، صدر صوت محرّك سيارة أخرى من خلفنا. التفت الرجال بسرعة. أضواء قوية اندفعت نحو المزرعة، ثم دوّى صوت صفارات الشرطة فجأة في المكان كله. صرخ أحد الرجال الشرطة!.
عمّت الفوضى. الرجل المسلح ابتعد عن السيارة وهو يلعن، بينما ركض الآخران نحو السور الخلفي. استدار سامر نحوي بسرعة الآن! اركضي!. فتحت الباب وأنا أضم طه إلى صدري، وقدماي بالكاد تحملانني فوق الطين والمطر. أصوات الصراخ والصفارات والركض ملأت المكان.
ثم سمحتُ صوتًا أعرفه. صوتًا ظننته لن يعود أبدًا مريم!. توقفتُ فورًا. كان ضعيفًا مبحوحًا لكنه هو. التفتُّ نحو باب المخزن القديم داخل المزرعة. ورأيته. عادل. واقفًا بصعوبة، وجهه شاحب، ولحيته طويلة، ويداه مقيدتان بحبل مفكوك. لكن عينيه، عينيه كانتا كما هما دائمًا حين ينظر إليّ.
ركضتُ نحوه وأنا أبكي. وحين وصلتُ إليه، سقط تقريبًا فوقي من شدة الإعياء. قال بأنفاس متقطعة كنت عارف إنك هتوصلي. لم أستطع الكلام. وضعتُ طه بيننا،
ورفعتُ البطانية عن وجهه الصغير. نظر عادل إلى الطفل، ثم بدأ يبكي. لأول مرة أراه يبكي هكذا. لمس خد طه المرتجف وهمس ابني. وفي تلك اللحظة، فتح طه عينيه الصغيرتين. نظر إلينا نحن الاثنين ثم ابتسم ابتسامة خفيفة ناعسة، كأنّه يعرفنا منذ العمر كله.
بعد دقائق، اقتحمت الشرطة المكان بالكامل. قُبض على الرجال الهاربين، وكُشفت ملفات المستشفى والتلاعب بالأطفال، وظهرت شهادة الممرضة التي أخفوها شهورًا. وفي صباح اليوم التالي خرج الخبر في كل الخرطوم إعادة طفل إلى والدته بعد التلاعب به داخل المستشفى. لكن الناس لم يعرفوا شيئًا واحدًا. لم يعرفوا أنني، في الليلة التي ظننتُ فيها أن الحياة انتهت، استعدتُ كل شيء دفعة واحدة. ابني. وزوجي. ونفسي التي دفنتها مع طفل ظننته ميتًا.
وبعد أشهر، في مساء هادئ يشبه الحلم، كنت أجلس في شرفة بيتنا الجديد، بينما عادل يحمل طه ويضحكه بصوت عالٍ. التفت إليّ مبتسمًا وقال تعرفي؟ هذا الولد عنيد مثلك تمامًا. ضحكتُ أخيرًا من قلبي. ثم أخذتُ طه بين ذراعي، وقبّلت العلامة الصغيرة خلف أذنه. الهلال البني الصغير الذي أعادني إلى
الحياة.

تم نسخ الرابط