كذبة العمر
أول ما شافني واقفة جنب العيال، وشه اتخطف ولونه بقى أصفر.
الشنطة وقعت من إيده.
— كريمة؟!
صوته كان مهزوز، كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية.
البنت جريت عليه فورًا:
— بابا!
الكلمة اخترقتني زي السهم.
بصيت له وأنا مش حاسة بغضب… كنت حاسة بتعب رهيب.
سألته بصوت واطي:
— من إمتى؟
مسح وشه بإيده وقال:
— من قبل ما أعرفك.
غمضت عيني.
يعني طول تمان سنين كنت عايشة مع راجل مخبي عني نص حياته.
كمل بسرعة:
— هما اتولدوا قبل جوازنا… وأمهم اتوفت ومروان لسه صغير.
بصيت للعيال تاني.
كان واضح إنهم ملهمش أي ذنب.
سألته:
— ليه عملت فيا كدة؟
اتنفس بعمق وقال:
— خفت… خفت لو عرفتي تمشي وتسيبيني.
ضحكت ضحكة مكسورة:
— وتخبي ولادك تمان سنين كان الحل؟
قرب مني خطوة:
— كنت عاوز أقولك… بس كل ما الوقت يعدي الموضوع كان
هزيت راسي ببطء:
— دي مبقتش كذبة يا ياسر… دي بقت حياة تانية كاملة.
الحاجة فاطمة كانت واقفة ساكتة، باين عليها التعب من شيل الهم ده سنين.
قال بيأس:
— أنا كنت عاوز أحميهم.
بصيت له مباشرة:
— لا… أنت كنت بتحمي نفسك.
سكت، لأنه عرف إني صح.
ليلى قربت مني وسألت:
— إنتِ مرات بابا؟
هزيت راسي.
قالت بحزن:
— هو كان بيقول لنا إن لسه بدري عشان نشوفك.
قلبي وجعني أكتر.
سألتها بهدوء:
— اسمك إيه؟
— ليلى… وده مروان.
الولد سلم عليا بخجل.
حسيت إن في حاجة جوايا بتتكسر في صمت.
بصيت حواليا وفهمت كل حاجة.
ياسر مكنش بيجي هنا يزور أمه… كان بيعيش النص التاني من حياته.
أعياد ميلاد، رمضان، ومأموريات شغل وهمية… كذب صغير مخبي وراه كارثة.
حاول يقرب وقال:
— كريمة… أرجوكِ، ممكن نحل الموضوع.
في اللحظة دي
الثقة مبتنتهيش مرة واحدة… دي بتموت بالتدريج، كذبة ورا كذبة.
قلت وأنا ماشية ناحية الباب:
— فيه حاجات لما بتتكسر مبتترجعش تاني.
بدأ يعيط، بس عياطه مبقاش يلمس قلبي.
نزلت لمستوى الأطفال وقلت لهم:
— مفيش أي حاجة من دي ذنبكم… أنتم غاليين قوي.
ليلى سألتني بوجع:
— إنتِ هتمشي؟
ابتسمت ابتسامة حزينة:
— أيوه يا حبيبتي… لازم أمشي.
أخدت شنطتي.
حاول ياسر يمسك إيدي، بس بعدت عنه فورًا:
— متلمسنيش.
قال بصوت مكسور:
— أنا بحبك.
رديت بهدوء:
— يمكن بتحبني… بس إنت متعرفش تحب من غير ما تخبي وتكدب.
وشه انهار تمامًا.
خرجت من البيت، ووقفت لحظة أبص على الجنينة والهدوء اللي حواليا.
كل حاجة كانت هادية بشكل غريب، رغم إن حياتي كانت متهدة فوق راسي.
سألني من ورايا:
— وإيه
رديت من غير ما أبص له:
— دلوقتي هتعيش الحياة اللي اخترتها… بس من غير ما تخبي حد.
ومشيت من غير ما أبص ورايا.
النهاية
الشهور اللي بعد كدة كانت صعبة.
مش بسبب الوحدة… لكن لأني كنت محتاجة أتعرف على نفسي من جديد بعيد عن الكذبة اللي كانت واكلة عمري.
بدأت أروح لدكتور نفسي، ورجعت أرسم تاني، وبقيت أقضي وقتي مع أهلي.
وبالراحة، الوجع مبقاش جرح مفتوح… بقى ندبة.
لحد ما في يوم لقيت جواب في صندوق البريد.
المرسل كان: ليلى.
فتحت الجواب بإيد بتترعش.
كان مكتوب فيه:
“أزيك يا طنط كريمة… شكراً إنك مكنتيش وحشة معانا اليوم ده. أنا كنت خايفة تكرهينا، بس إنتِ كنتِ طيبة. بابا بيعيط ساعات لما بيفتكر إن محدش شايفه، وأنا حاسة إنه عارف إنه غلط في حقك. كان نفسي الظروف تكون أحسن من كدة… بحبك.
ليلى.”
فضلت
ولأول مرة من يوم ما سيبت المنصورة… ابتسمت.
مش عشان الماضي، لكن عشان الحاضر بقى ملكي أنا.
وعرفت إن الحقيقة مهدتش حياتي… هي بس شالت منها كل حاجة مكنتش حقيقية.