التليفون رنّ الساعة ٦ الصبح… وفضح كل حاجة بقلم: منال علي
مرة من زمان ما خافتش.
تاني يوم كانت قاعدة قدام محامية. المحامية كانت ست في أواخر الأربعينات، من النوع اللي عينه وسط راسه، نظرتها حادة زي الموس ومركّزة في كل تفصيلة. فضلت تسمع أميرة لحد الآخر وهي بتبص في عينيها، وبعدها مسكت الموبايل، شغلت الفيديو وعادت الحتة المهمة كذا مرة، وهزت راسها بهدوء المتمكن.
بصي يا أميرة.. الشقة اللي باسم حماتك دي، القانون فيه ثغرات كتير تخلي رجوعها صعب شوية، بس إحنا مش هنلعب على الشقة.. إحنا هنلعب على القرش اللي خرج من جيبك وجيب عيالك.
أميرة سألتها بلهفة يعني فيه أمل؟
المحامية سحبت نفس طويل وقالت بثقة
الأمل في الورق.. مرتب جوزك ده ذمة مالية مشتركة بينكم، وتحويلاته المستمرة لأمه من ورا ضهرك دي تندرج تحت بند تبديد حقوق. هنرفع قضية تقسيم ممتلكات، وهنطالب بنص المبالغ اللي اتحولت دي، ده غير نفقة العيال، وتقسيم ديون الفيزا اللي هو لبّسهالك.. ماتخافيش،
أميرة في اللحظة دي حست بضهرها اتفرد.. لأول مرة من سنين تحس إنها مش محنية تحت حمل الهم. القضية فضلت دايرة حوالي ٣ شهور. في أول جلسة، أحمد كان داخل ب عنجهية مش طبيعية، لابس أشيك بدلة عنده، ورافع راسه لفوق ووشه كله تحدي. أما الست سناء حماتها، فكانت دايمًا موجودة، تبدأ في الوصلة المعتادة دي عينها في قرش ابني يا سيادة القاضي! عايزة تخرب بيته وتورثه وهو حي!
بس القاضي ما كانش من النوع اللي بياكل من الكلام ده.. القاضي كان عينه في كشوف الحساب. الأرقام كانت بتنطق، والورق كان بيفضح كل حاجة استخبّت في الضلمة. يوم ١ في الشهر المرتب ينزل.. ٨٠٪ منه بيتحول فوراً لحساب الست سناء. يوم ٢ في الشهر تحويلات لشركة عقارات.. أقساط الشقة اللي متأمنة باسم الأم. ولما المحامية وقفت وبكل هدوء عرضت الداتا دي كلها مرة واحدة، وشرحت بالتاريخ
الحكم نزل زي الصاعقة عليهم رد نص الفلوس اللي اتحولت بشكل غير قانوني لأميرة، اعتبار ديون الفيزا ديون مشتركة تتدفع مناصفة، إقرار نفقة شهرية محترمة للعيال، وتجميد حساباته البنكية فوراً لحد ما يسدد المبالغ اللي عليه.
أميرة خرجت من باب المحكمة وهي ساكتة.. أول ما شمّت هوا الشارع حست إن الرئة بتاعتها كبرت. بعد أسبوع واحد.. السيستم اشتغل. الحسابات البنكية بتاعة أحمد اتقفلت. الست سناء، عشان تلحق تفك الحجز وتنقذ ابنها من الحبس، اضطرت تبيع الشقة اللي كانت فاكرة إنها أمان العمر.. وباعتها بيعة مستعجلة بنص تمنها. صوتها في التليفون كان كله انهيار وصراخ وهي بتكلم أحمد ضيعتني يا أحمد! لا طُلنا شقة ولا طُلنا فلوس! بسببك بقيت على كبر ماشية بكلم نفسي في الشوارع!
أميرة بدأت حياتها من الصفر، بس صفر نضيف. أجرت شقة صغيرة وبسيطة، سدت ديون الفيزا
بعد شهر.. أحمد وقف لها تحت البيت. كان لابس جاكيت قديم، ووشه باهت وشاحب، وعينيه فيها كسرة. بص لها وقال بمرارة
مبسوطة دلوقتي؟ سيبتيني على الحديدة.. حتى أمي مش طايقة تسمع صوتي وبتحملني ذنب كل اللي حصل.
أميرة بصت له بهدوء وثبات، وقالت كلمتين بس
يا أحمد.. إنت اللي سيبت نفسك من يوم ما استخسرت ٨٠٠ جنيه في أشعة ابنك وهو تعبان.. كل اللي حصل بعد كده كان مجرد نتيجة لاختياراتك.
أحمد بص في الأرض، ولف ومشي.. مشي ببطء شديد، لدرجة إن صوت قفلة باب العمارة وهي بتترزع وراه، كان أعلى من كل الأعذار اللي كان ناوي يقولها. أحيانًا.. لازم تخسر شخص عشان ترجع تعيش إنسان. ومفيش عقاب في الدنيا أقسى من إن الواحد يحصد
تمت