عقد من الماضي
المحتويات
تصدق منذ ساعات كان طوفانا يهددها والآن صار جدارا يحاول أن يحميها.
في مزرعة مهجورة على أطراف الطريق اتخذوا من حظيرة قديمة مأوى مؤقتا. كانت الرائحة خليطا من رطوبة الخشب والقش العتيق والبرد يزحف من الشقوق. جلس إلياس في زاوية بعيدة وكأنه يخجل من وجوده يضم ساقه المعطوبة بيدين مرتجفتين. أما كارديناس فظل واقفا عند النافذة المكسورة يراقب الظلام بعينين لا تنامان.
وكان سيباستيان لا يكاد يرفع نظره عن إيفيت. كلما تحركت خطوة تبعه بعينيه ليس كمن يراقب أسيرة بل كمن يخشى أن يغمض عينيه لحظة فيستيقظ على الحقيقة القديمة أنها اختفت من جديد.
وبينما كانوا يتفقدون ما بقي معهم فتح كارديناس معطف إلياس ليرى ما في جيوبه. سقط شيء صغير على الأرض ارتطم بخشبة الحظيرة وأصدر طقطقة معدنية خفيفة. انحنى كارديناس التقطه دقق فيه ثم رفعه أمام الضوء الخافت.
جهاز تتبع. تجمدت الأنفاس. قال كارديناس ببطء هذا ليس جديدا هذا من النوع الذي يزرع طويلا ويترك لينتظر.
نظر إلياس إلى الأرض كأنه ينتظر الصفعة. تمتم بصوت غارق بالعار أقسم لم أكن أعلم أنا أنا فقط ارتديت المعطف
تقدم سيباستيان خطوة عيناه تشتعلان يعني أنهم كانوا قريبين طوال الوقت
أجاب كارديناس وهو يضغط على الجهاز بين أصابعه قريبين بما
لم يمض وقت طويل حتى سمعوا صوتا بعيدا ثم أقرب ثم أقرب. هدير محركات ثقيلة. أضواء تشق العتمة من بين الأشجار. أطفأ كارديناس أي ضوء داخل الحظيرة وأشار لهم بالانخفاض. ضمت إيفيت القلادة إلى صدرها حتى كادت تخنق نفسها وعيناها تتسعان مع كل ثانية.
همست ماذا يريدون لم يجبها أحد. الإجابة كانت في الصمت ذاته.
ثم فجأة وقع ما لم يتوقعه أحد. نهض سيباستيان وكأن قرارا قاطعا سقط عليه دفعة واحدة. تقدم نحو الباب فتحه وخرج إلى الظلام ويداه مرفوعتان. صرخ بكل ما لديه من يقين أرتورو سالسيدو! أعلم أنك أنت!
ساد سكون مفاجئ. توقفت محركات كأنها تترقب اعترافا. وبين الأضواء المبهرة ظهر أرتورو. بدلته لا تزال أنيقة حتى في الوحل. شعره مصفف. ملامحه هادئة حد الرعب. في يده مسدس بكاتم يتأرجح بثقة باردة.
ابتسم ابتسامة قصيرة وقال أعمال يا سيباستيان أعمال فقط. ثم خطا خطوة للأمام وعيناه تتفحصان المكان كمن يشتري شيئا. زوجتك الميتة تركت لي إمبراطورية بلا وريث لسنوات كان كل شيء يسير كما ينبغي. ثم فجأة تظهر هذه وأشار بإيماءة صغيرة نحو الباب حيث كانت إيفيت تختبئ لتفسد الحسابات.
خرجت إيفيت خطوة دون وعي وصرخت أنا لست شيئا! لكن كارديناس
تنفس سيباستيان ببطء ثم قال هي لا تعلم شيئا. إن كنت تريد إنهاء الأمر خذني أنا. اتركها.
ضحك أرتورو ضحكة قصيرة كمن يسمع نكتة معتادة كم أنت درامي كأن العالم فيلم من أفلامك القديمة. رفع السلاح قليلا واستقر صوته في الهواء مثل نصل بارد.
وفي اللحظة التي بدا فيها أن الرصاصة ستكمل ما بدأه الماضي شق صوت آخر السماء. طنين ضخم. ضوء أبيض قوي يهبط على المكان كأنه نهار مفاجئ. مروحية سوداء ظهرت على انخفاض حاد دفعت الهواء بقوة حتى تمايلت الأشجار وتطاير الغبار والقش حول الحظيرة. ثم تتابعت الأصوات خطوات كثيرة صياح أوامر أضواء كشافات رجال ينزلون ويتوزعون بسرعة منسقة.
عملاء اتحاديون.
وتقدم من بينهم رجل يعرج قليلا ذراعه مضمد ملابسه ملطخة بالطين والدم لكن عينيه ثابتتان كالسهم. كان كارديناس نفسه ولكن ليس ذلك الذي يقف خلف إيفيت داخل الحظيرة. توقفت إيفيت مذهولة ونظرت إلى سيباستيان كيف
وفي ثانية واحدة فهم الجميع أن كارديناس الحقيقي كان قد خطط لكل شيء وأن الذي كان معهم لم يكن سوى طعم أو رجل من فريقه أو حيلة لجر أرتورو إلى المكان الذي يمكن إسقاطه فيه.
صرخ كارديناس القادم من المروحية بصوت جاف قلت إنني لن أتركهم.
حاول أرتورو أن يتراجع.
بعد أيام بدا كل شيء مختلفا لكن الجرح نفسه كان لا يزال مفتوحا بطريقة أخرى. في قاعة مجلس الإدارة جلس رجال ببدلات فاخرة وجوههم متصلبة عيونهم مليئة بالخوف. لم يعودوا يتحدثون بثقة. كانوا ينظرون إلى الباب كما لو أنهم ينتظرون حكما. دخل أرتورو مقيدا. هذه المرة لم تكن بدلته أنيقة. كانت مهزومة. وخلفه دخل سيباستيان وإيفيت إلى جانبه. لم تكن ترتدي زي العمل. كانت ترتدي بدلة بيضاء بسيطة شعرها مرتب نظرتها ثابتة والقلادة تلمع على صدرها لا كزينة بل كإثبات كوثيقة كمفتاح أبواب أغلقت عليها عمرا كاملا.
حاول أحد أعضاء المجلس أن يتمتم بكلمة محتالة لكنه ابتلعها حين رأى الملفات والأدلة تعرض على الشاشة. وحاول آخر أن يبتسم ابتسامة مجاملة لكنه لم ينجح. وبعضهم تحت ضغط الحقيقة والخوف من السقوط بدأ يتحدث. اعترافات. أسماء. توقيعات. أوامر قديمة. وسقطت الأقنعة واحدة تلو الأخرى.
وعندما هدأ الضجيج عاد سيباستيان إلى المكان الوحيد
متابعة القراءة