قالو لي الولد ده دش هيعمر معاكو

لمحة نيوز

وبدأت المعجزات الصغيرة تحصل. ماتيو بدأ يثق إن غلطة صغيرة مش هتخليه يطرد. بدأ ينام على الكنبة براحته، ويساعد راؤول في تصليح الخشب، ولما كمل سبعتاشر سنة بقى أطول من راؤول، وبقى فيه جواه دفا وحنية.
وبعدين الدنيا دارت بينا. راؤول تعب، والشغل قل، والديون كترت. البيت اللي ماليناه تفاصيل بدأ يفضى حتة حتة؛ بعت سلسلتي الدهب، وبعدها التليفزيون الزيادة. ماتيو بدأ يشتغل بالليل في ورشة ميكانيكا وبقى يقولي إنه عايز فلوس لنفسه، بس كنت عارفة إنه بيكذب عشان يحمي كرامتي، وسبته يكذب لأن ده نوع من أنواع الحب.
الناس اللي كانت بتنصحنا اختفوا، وأختي جت المطبخ ووشوشتني يا روزا، يمكن الولد لازم يروح مكان تاني لفترة، لحد ما تقفوا على رجليكم. هو كبر خلاص، وأنتي وراؤول حملكم تقيل.
بصيت لها بذهول الولد؟ قبل ما أرد شفت ماتيو في الطرقة. كان سامع كل حاجة. مسرخش ولا اعترض، دخل أوضته بسكات. ليلتها كان مؤدب
بزيادة وهادي زي ما كان وهو صغير، غسل طبقه وقالي شكراً، وبعدين سأل وهو مش بيبص لي عايزاني أبدأ ألم شنطتي؟
حسيت بنار وجع وقهر جوايا. رحت له ومسكت وشه بين إيدي وقلتله لأ. اسمعني كويس.. ولا دلوقتي ولا في أي وقت، حتى لو الدنيا بقت أصعب بكتير. فاهم؟ بص في عيني كأنه خايف يصدق ويطلع عبيط، وهز راسه مرة واحدة.
تاني يوم قبل الفجر، دخلت الصالة ولقيت ماتيو قاعد على الكنبة، لابس هدومه كاملة وجزمته في رجله، وماسك نفس الشنطة القديمة وضاممها لصدره. راؤول وقف جمبي وجسمه اتخشب. في اللحظة دي خفت يكون ماتيو قرر يمشي قبل ما يشوفنا بنخسر كل حاجة.
راؤول ناداه ماتيو؟
ماتيو رفع راسه، بس المرة دي وشه كان فيه إصرار مش رعب. حط الشنطة على التربيزة وفتحها، وبدأ يطلع حاجات واحدة واحدة ظرف مليان فلوس، مفتاح عليه علامة زرقاء، ورق كتير، وحسابات مكتوبة بالإيد.
همست إيه ده؟
بص لراؤول وبعدين بص لي وقال وصوته اتهز
مرة واحدة ده مبلغ المقدم وأول شهرين إيجار. الشقة صغيرة فوق المخبز اللي في شارع خواريز، وصاحبها كان مستني الرد النهاردة، وأنا قلتله موافق.
قعدت مكاني لأن رجلي مشالتنيش. أنت.. عملت إيه؟
قال أنا بحوش من يوم ما بابا تعب. شغلي في الورشة، وتصليح الخشب للجيران، والارفف اللي بعتها.. أنا عارف الحسابات، وعارف تمن دواكِ وتمن البنك. مش هنقدر نفضل هنا، بس مش لازم نترمي في الشارع.
راؤول كان بيبص له وهو فخور ومكسور في نفس الوقت يا ماتيو، كان لازم تقولنا.
ماتيو مسك طرف الشنطة بقوة وقال أنتم قلتولي مش هضطر أمشي.. بلع ريقه وكمل عشان كده أنا مش ماشي.. أنا هخلينا نمشي كلنا.. مع بعض.
ماتتخيلوش اللحظة دي كانت عاملة إزاي. خدته في حضني بجد، حضن أم ابنها لسه منقذ مستقبلها بإيديه. راؤول قعد جمبنا وضمنا إحنا الاتنين، وفضلنا كده لحد ما نور الصبح دخل علينا.
نقلنا يومها، والشقة فوق المخبز كانت ريحتها دايما
عجين وسكر. كانت ضيقة وسقفها واطي، بس كانت أجمل مكان شفته في حياتي. السنين اللي بعدها مكنتش سهلة، بس كملنا مع بعض. ماتيو خلص تعليمه الفني، وبعد تلات سنين فتح هو وراؤول ورشة خشب تانية صغيرة بس ناجحة، وكان مكتوب عليها ورشة ماتيو وراؤول.
يوم ما اليافطة اتعلقت، أختي جت ومعاها تورته وعينيها مدمعة واعتذرت لماتيو. هو شكرها وكان مؤدب بس متمسحش في غرامتها، لأن فيه ديون لازم تتحس.
الناس بتحب القصة دي لما تسمعها نضيفة، بيقولوا إن الحب أقوى من الدم، وإن الولد اللي محدش عاوزه طلع هو الأوفى. يمكن ده صح، بس ساعات بالليل بفكر في الطفل اللي كان بيتحرم من النوم ولابس هدومه عشان خايف يطردوه الصبح.. وبفكر إزاي الطفل ده كبر وبقى الراجل اللي شالنا لما مبقناش قادرين نشيل نفسنا. ومازلت مش عارفة إيه اللي بيلمس قلبي أكتر وفاءه، ولا الحقيقة المرة اللي وراه.. إن الطفل اللي اتعود يتهجر، بيبقى هو أكتر واحد
عارف قيمة اللمة.

تم نسخ الرابط