قالو لي الولد ده دش هيعمر معاكو

لمحة نيوز

قالولي إن الولد ده مش هيعمر معاكم.
الموظفة الاجتماعية مقالتش الجملة دي بقسوة، كان أسهل بكتير لو كانت قاسية عشان أقدر أطنش كلامها. لكنها قالتها بهدوء وتعب، زي حد شاف كبار كتير بيفتكروا إن الشفقة هي نفسها الالتزام، وهي بتعدل ملف أطرافه دايبة كأنه اتفتح واتقفل مية مرة.
قالت دي تالت عيلة.. وكلهم رجعوه تاني.
مكتب رعاية الطفل كان حر جداً يومها، الحوش بره كانت ريحته تراب وأسفلت محروق من الشمس، ومن ورا البوابة كان صوت بياع تمالي بيعلى فوق صوت الزحمة.
جوزي، راؤول، كان واقف جمبي ومربع إيده، بيبص للملف وهو كاشر كأنه بيجبر الورق ينطق بإجابة أحسن. سأل ليه؟
الموظفة بصت لركن الأوضة وقالت كلهم بيوصفوه بنفس الطريقة كل مرة.. طفل صعب. منطوي. مبيتكلفش غير للضرورة. مبيقبلش الحنية بسهولة. بيمشي على النظام بدقة مريبة، وفجأة يطنش كل حاجة لو حس إنه بيتم اختباره. مبيعرفش يندمج مع العيلة زي ما الناس بتبقى مستنية من طفل. هو دايما بينتظر.. ده أكتر حاجة

بيعملها.. بينتظر اللحظة اللي هيتسأل فيها إنه يمشي تاني.
بصيت مطرح ما كانت بتبص. الولد كان قاعد على كرسي بلاستيك صغير، وإيديه مفرودة على ركبه. مكنش بيلعب بالمكعبات اللي على السجادة، ومكنش بيبص لنا بفضول زي الولاد اللي لسه عندهم أمل. كان ساكت تماماً، لدرجة خلت زوري يوجعني؛ كانت قعدة طفل قرر إنه كل ما يقلل المساحة اللي واخدها في الدنيا، كل ما هيقلل المشاكل اللي ممكن يسببها.
فجأة رفع راسه، وعينه جت في عيني.. نظرة غامقة وثابتة. ممبتسمش، بس كمان محولش عينه عني. في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا لانت واستسلمت.
الموظفة طلبت مننا نفكر كويس، وقالت إن فيه أطفال أصغر وألطف وتاريخهم أسهل. قالت لسه قدامكم وقت تختاروا طفل مرن أكتر. الكلمة وقفت في صدري زي الحجر.. مرن.. كأن أحسن نوع من الأطفال هو اللي متدرب يريح الكبار.
ليلتها أختي كلمتني قبل ما نخلص العشا. الأخبار بتوصل بسرعة في العيلات، خصوصاً لما تتغلف ب الخوف علينا. قالتلي يا روزا اسمعي، أنتي
وراؤول مش عرسان جداد بتبدأوا حياتكم. أنتم عاوزين طفل، ماشي، بس ليه تختاروا واحد شايل كل الوجع ده؟ العيال دي بتكبر وهي شايلة غل وحقد من الكل.. الكل بيقول كده.
كنت واقفة في المطبخ وعيني بتلف على كل حاجة هي مش شايفاها في التليفون البلاط المكسور، الثلاجة القديمة اللي بتزيق، والتربيزة الصغيرة اللي ليها أربع كراسي مبيستخدمش منهم غير اتنين. بيتنا مكنش فخم، ولا حتى مبهج بزيادة، بس كان نضيف وهادي.. ومرتب لدرجة تخنق. كان فاضي بشكل ميتحملش.
قلتلها هو ده السبب بالظبط.. عشان مفيش حد عاوزه.
راؤول مجادلش معايا بعد ما قفلت السكة. قعد جمبي على السرير ومسك إيدي، وفضلنا ساكتين كتير قبل ما يسأل أنتي متأكدة؟
قلتله لأ.. بس اللي عارفاه إننا لو مشينا وسيبناه، فيه غيرنا هيمشي ويسيبه هو كمان.
وده كان السبب إن ماتيو يجي يعيش معانا.
أول كام شهر محسناش إننا معانا ابن، كان إحساس إننا عايشين مع ضيف حد قاله اوعى تاخد راحتك. ماتيو عمره ما لمس حاجة من غير ما
يستأذن، عمره ما كركب حاجة، ولا طلب لعبة أو حلوى، ولا طلب نحكي له حدوتة قبل النوم. حتى مكنش بيمرض.. وبطريقة ما دي كانت أحزن حاجة في الموضوع كله.
في يوم وأنا بقلب الأكل، سألته تحب تساعدني؟ هز راسه ب لأ. تحب تتفرج على التليفزيون؟ هز راسه تاني. طيب نفسك تعمل إيه؟ سكت كتير لدرجة افتكرت إنه مش هيرد، بعدين قال أي حاجة تقولي عليها هتبقى تمام. مقالش يا ماما، ولا حتى ناداني باسمي، كان مجرد رد من طفل اتعلم إن الكبار دايما مؤقتين.
فهمت الخوف ده واصل لفين لما صحيت في نص الليل على حركة في الصالة. راؤول مسك عصاية مقشة وطلعنا براحة، لقينا ماتيو قاعد على الكنبة ولابس هدومه بالكامل، وجزمته في رجله، وضامم شنطته الصغيرة على صدره.
همست له يا حبيبي، بتعمل إيه؟ بص لي بعيون واسعة وكله حذر وقال أنا جاهز. جاهز لإيه؟ رد عشان لو اضطريت أمشي. حسيت بالكلمة كأنها سكينة تحت ضلوعي. قلتله محدش هيخليك تمشي أبداً. سكت ومصدقنيش.. وليه يصدقني؟ مفيش حد قبلينا وفى
بالوعد ده.
السنين عدت،
تم نسخ الرابط