افتكرت اللي فات
بصيت لها وأنا مذهول، وكنت بسأل نفسي: "هي كانت عارفة إيه تاني طول السنين دي؟".
هانم عاشت، وزياد كمان.
هانم كان عندها إجهاد حراري وجفاف، ومشاكل في ضربات القلب كانت مخبياها، لأن الممرضات دايماً آخر ناس بيعترفوا إنهم محتاجين رعاية. وزياد جاله أزمة ربو زادها الحر والخوف. قعد ليلة واحدة في المستشفى، وهانم قعدت خمسة.
زرتهم في اليوم التاني ومعايا ورد "دوار الشمس" وشوية كسوف الورد ميعرفش يخبيهم.
زياد كان نايم على الكرسي لما دخلت. هانم كان شكلها ضئيل في سرير المستشفى بس عينيها لسه فيها لمعة الذكاء.
قالت لي: "شكلك وحش قوي يا رأفت".
رديت: "أنا جاي عشان أنور الأوضة".
قالت: "فشلت يا حبيبي".
وبعدين ضحكت.
قعدت جنبها وسألتها عرفت منين حكاية هدى.
بصت للشباك وقالت: "هدى قالت لي مرة إنك بتلوم نفسك عشان مجريتش بسرعة".
بلعت ريقي بصعوبة.
كملت:
ده فعلاً كلام هدى.. حنين، ودقيق، وبيوجع.
قلت لها: "أنا فعلاً اختفيت".
مدت إيدها ومسكت إيدي: "طيب يالا.. ارجع بقى".
ده ماكنش مجرد سماح، دي كانت عزومة على الحياة من جديد.
بعد ما هانم رجعت البيت، المنطقة كلها اتغيرت عشان إحنا سمحنا لده يحصل. "عم جابر" عمل "جروب" عشان الكل يطمن على كبار السن وقت الحر. "أم عبير" بدأت تشيل ازايز مية متلجة للطوارئ. وزياد قدم في دورة إسعافات أولية تابعة للمدرسة. لسه فيه "شيطنة" الشباب، بس الناس بدأت تشوف "الجدعنة" اللي كانت مستخبية ورا الغضب.
أما أنا، فبدأت أعيش وكأن السنين اللي فاضلة لي مش "أوضة انتظار".
عملت منبه عشان أقف كل ساعة. بدأت أتمشى مع هانم كل يوم الصبح، في الأول براحة وبعدين بقينا بنمشي مسافات أطول. بطلت آكل معلبات
في يوم، زياد جالي وأنا برتب ورق محاضراتي القديمة.
مسك ورقة مكتوب عليها "معضلة الترام" وكرمش وشه: "إيه ده؟".
قلت له: "سؤال عن إنقاذ الأرواح".
قرأ كام سطر وقال: "كلام نظري وشكله فيك".
ضحكت وقلت له: "فعلاً، أغلب أمثلة الدراسات بتبقى كده".
بص لي وقال: "الحقيقة أصعب وأبهدل من كده بكتير".
قلت له: "عندك حق".
طبق الورقة ورجعها لي وقال: "بس في الآخر، لازم تختار".
الولد ده بقى أحسن طالب عندي من غير ما يدخل مدرج أصلاً.
الربيع اللي فات، أنا وهانم زرعنا شجرة "جميز" في النادي الصغير تخليداً لذكرى هدى. زياد هو اللي حفر الحفرة. بنتي
لسه بفتقد هدى، ولسه ندمان على الدقائق اللي ضاعت. بس الندم مابقاش هو الكرسي اللي بقعد عليه طول اليوم.. بقى هو "المنبه" اللي بيخليني أقوم وأتحرك بدري.
الناس بتتكلم عن العادات اللي بتقصر العمر بعد الستين: القعدة الكتير، النوم الغلط، الأكل الوحش، القلق، والوحدة. عندهم حق، بس فيه خطر أكبر تحت كل ده: إنك تصدق إن حياتك مابقتش تفرق مع حد.
الفكرة دي كانت هتموتني قبل ما جسمي يتعب.
الموقف اللي حصل لهانم أنقذ هانم، وأنقذ زياد بطريقة تانية، وفي عز الحر بتاع اليوم الصعب ده، أنقذ الجزء اللي جوايا اللي لسه عارف إزاي يرد لما حد ينادي عليه.
ساعات النجاة مش بتيجي في شكل درس أخلاقي كبير.
ساعات بتيجي في شكل هوهوة كلب، وباب مفتوح، وراجل
تمت