كنت أبيع أكلًا في الشارع
وقفت القاعة بأكملها على أقدامها، نهض الجميع دفعة واحدة كأن تياراً خفياً مرّ بين المقاعد، يصفقون أمامي بحفاوة لم أعهدها، أمّا أنا فبقيت ملتصقة بمقعدي، ويداي باردتان فوق حقيبتي، والصورة القديمة لا تزال تملأ الشاشة الضخمة خلف المنصة؛ هناك كان كشك بيع الطعام، والقماش الأزرق، والقدر المائل، ومئزري المزهر، وسباستيان نحيلاً جاداً يحتضن خصري بوجه طفل فهم مبكراً أن الحياة لا تمنح شيئاً بالمجان.
كرر ابني من فوق المنصة بصوت مكسور رغم محاولته الابتسام أمي.. لا تختبئي بعد الآن، لم أعرف كيف وقفت، شعرت أن ساقيّ لا تستجيبان كما كانتا حين كنت أحمل القدر الكبير، لكن شيئاً أقوى من التعب دفعني إلى الأمام، أشار إليّ أحد المنظمين بإيماءة لطيفة، كانت الأضواء تضرب وجهي والتصفيق لا يزال مستمراً، وهناك وسط ذلك المسرح المليء بالزهور الفاخرة والبدلات الداكنة كان ابني، يرتدي بدلة زرقاء داكنة أنيقة، ظهره مستقيم، وشعره مصفف إلى الخلف، يفيض بثقة جديدة لم أعرفها فيه إلا في أيام الامتحانات المهمة، لكن عينيه كانتا كما هما، تلك العينان الجادتان اللتان تلينان قليلاً حين تراني متعبة.
صعدت الدرج ببطء، وعندما وصلت إليه ترك المنصة واتجه نحوي واحتضنني، ليس كما يحتضن الرجال في تلك الأماكن الرسمية، بل كما يحتضن طفل كان يتمسك بمئزري حين يخاف
ضحك بعض الحاضرين برقة، وضحك هو أيضاً ضحكة قصيرة مبللة بالدموع، ثم أمسك بيدي وقادني إلى وسط المنصة وقال عبر الميكروفون سيداتي سادتي، قبل أن أقبل هذا المنصب، عليّ أن أفعل الشيء الوحيد الذي يهمّ حقاً اليوم، تغيّرت الشاشات مرة أخرى وظهرت صور لم أكن أعلم بوجودها؛ سباستيان طفلاً جالساً على دلو مقلوب ينجز واجبه بجانب الكشك، وسباستيان مراهقاً يحمل قدر الشراب، وسباستيان بزيّه المدرسي نائماً فوق دفتره بينما كنت ألفّ الطعام عند منتصف الليل، ثم صورة ليديّ فقط، متجعدتين عريضتي المفاصل، وعلى إبهامي أثر حرق قديم.
ساد الصمت في القاعة، وتابع ابني حديثه الجميع يسألني كيف وصلتُ إلى هنا في هذا العمر، يتحدثون عن الاستراتيجية، والقيادة، والرؤية، والانضباط، نعم تعلّمتُ بعض ذلك في الدراسة والعمل، لكن أول ما تعلّمته كان على الرصيف، وأنا أرى امرأة تبيع
عاد التصفيق أقوى، وكنت أنظر إلى الناس ولا أفهم لماذا يقف كل هؤلاء المهمّين من أجلي، شدّ سباستيان على يدي أكثر وقال كثيرون يظنون أنني أصبحتُ مديراً عاماً لأن المجلس صوّت لي، أو لأن المؤسس وثق بي، أو لأن الأرقام تؤيدني، الحقيقة مختلفة، أنا هنا لأن امرأة تفوح منها رائحة القرفة والعجين علّمتني أن الكرامة لا ترتبط ببداية الطريق، ثم اقترب الرجل الوقور الذي تحدث أولاً وأعطاني منديلاً أبيض وقال أمام الجميع السيدة إلينا، لقد حدّثنا ابنكِ عنكِ سنوات لكنه لم وفِكِ حقك، لم أعرف ماذا أقول واكتفيت بالإيماء فقد عقدت الكلمات في حلقي.
تنفّس سباستيان بعمق وقال قبل ستة أشهر عُرض عليّ هذا المنصب، وأول ما طلبته أن أحضر أمي يوم الإعلان، لا كضيفة، ولا كأم المدير، بل كجزء من السبب الذي يجعل هذه الشركة تؤمن بي، ثم أشار إلى الصف الأول وتابع لذلك لم يكن ذلك المقعد لزائرة، بل للشخص الذي يملك السلطة الأكبر في
التفتُّ إليه فوراً وقلت لا تبدأ يا سباستيان، ضحك الحضور لكنه هزّ رأسه وقال لا يا أمي، اليوم دوري أنا في الكلام، وأخرج من جيبه ظرفاً بلون كريمي، ثم قال هذا ليس صدقة، ولا ثمناً، ولا محاولة لإخراج أمي من الفقر، هذا حق متأخر، ونظر إليّ مباشرة وتابع قبل ثلاثة أشهر اشتريتُ محلاً صغيراً قرب السوق، لكنه داخل مكان مناسب، فيه مطبخ حقيقي وتصاريح قانونية ومساحة للجلوس، تم تجهيزه بالكامل، فيه قدر جديد، وموقد صناعي، ولوحة باسمكِ، بدأتُ أرفض قبل أن ينهي كلامه وقلت لا يا بني، هذا مكلف جداً، لكنه تابع اسمه طعام إلينا.
انفجرت القاعة تصفيقاً، وبكيتُ دون أن أحاول إخفاء ذلك، وقال لي لا أريدك أن تتوقفي عن العمل إن لم تريدي، لكنني لا أريدك بعد اليوم تحت الشمس ولا في الدخان، أريدك أن تعملي تحت سقف، وأن يأخذ الناس طعامك وهم يعرفون اسمكِ، شعرتُ بأن ساقيّ تخونانني وقلت بقلة حيلة أنا لا أعرف إدارة محل كهذا، فأجابني بل تعرفين، لقد فعلتِ ذلك عشرين عاماً بنصف ما تستحقين،