ليلة عيد جوازنا

لمحة نيوز

رجعت البوسترات مكانها بالظبط زي ما كانت، وفردت الغطا عليها وسحبت نفسي لداخل الفيلا زي الخيال. عديت من قدام السفرة ولقيت الأطباق مرصوصة بنظام مرعب. على الرخامة، كان فيه طبق صغير فيه صوص دافي، محطوط لوحده بعيد عن باقي صواني الأكل، ومكتوب عليه تيكيت: نصيب داليا.

بكل هدوء، بدلت التيكيتات.. حطيت كلمة داليا على الطبق اللي باهر هياكل منه، وحطيت تيكيت باهر على الطبق المسموم. ريحة الصوص كانت طالعة.. غنية وجميلة وريحتها تجوع. لو كانت دي الحاجة اللي المفروض تنهي حياتي، يبقى هي اللي هتنهي حياته هو.

بعدها طلعت الروف فوق الجنينة، وفضلت مستنية.

اللحظة جت أسرع مما كنت متخيلة.. الجنينة بقت قطعة من الدهب تحت ضوء الفوانيس، والمزيكا الهادية مالية الجو. باهر كان قايم بدور المضيف الكريم على أكمل

وجه، بيضحك مع الضيوف وبيهزر.

نزلت وسط الناس وكأني مش فاهمة حاجة، وماسكة كاسي في إيدي. الميكروفون كان محطوط على الاستاند في نص الجنينة.. ومحدش يعرف إن جواه جهاز تسجيل صغير جداً، شغال وبيسجل كل حرف. أنا اللي حطاه من 3 أيام.. مسجلة له ساعات من مكالماته، وتهديداته، وتخطيطه لليلتي الأخيرة.

قربت من المسرح، باهر شافني ورفع كاسه وقال بصوت عالي: "في صحة مراتي العبقرية!". الضيوف سقفوا بحماس.

موظف من الكيترينج اداله إشارة إن وقت كلمة الافتتاح جه. باهر قرب من الميكروفون، بس أنا حطيت إيدي برقة على ذراعه وقلت له: "خليني أنا أتكلم الأول.. عايزة أقول كلمة شكر صغيرة." ابتسم وساب لي المكان.

مسكت الميكروفون، وجهاز التسجيل مستخبي جوه. قلبي كان بيدق ببطء وهدوء.. أخدت نفس عميق وقلت: "شكراً ليكم كلكم

إنكم هنا. 11 سنة وقت طويل.. فيه سنين بتبقى منورة، وسنين تقيلة.. وسنين بتعلمنا الناس على حقيقتهم."

الكل سكت، وباهر بدأ يقلق. "عايزة أشارككم حاجة،" قلتها وأنا بدوس بصباعي على زرار صغير في ظهر الميكروفون.

فجأة، صوت باهر طلع من السماعات في كل الجنينة. صوته كان هادي في الأول، وبعدين بقى بارد وتلج.. كان بيتكلم عن الجرعة، وعن التوقيت، وعن إزاي تقرير الوفاة ممكن يتغير لو الدكتور الصح هو اللي مضى.

الناس اتسمرت في مكانها، الضحك اختفى، والعيون كلها اتحولت لباهر. باهر وشه بقى أبيض زي الورق: "داليا، وقفي المهزلة دي!" حاول يقرب، بس فيه اتنين من الضيوف وقفوا في طريقه ومنعوه.

التسجيل كمل.. صوته كان طالع فيه قسوة مش طبيعية وهو بيقول: "مش هتحس بحاجة.. وبعد الليلة دي، كل حاجة هتبقى بتاعتي."

باهر

هجم عشان يخطف الميكروفون، بس أنا رجعت خطوة لورا. وقبل ما يلمسني، دخل ظابط بزي رسمي من وسط الشجر. الظابط وقف جنب باهر وقال ببرود: "يا أستاذ باهر، إنت مقبوض عليك بتهمة الشروع في القتل والتآمر لتزوير أوراق رسمية."

الظابط شاور لزمايله اللي كانوا مستنيين بره، دخلوا بسرعة وكلبشوه. الناس كانت بتتفرج في ذهول وصمت تام وهما بيسحبوه لبره الفيلا. باهر بص وراه بصه أخيرة.. عينيه كان فيها صدمة، مش ندم.

أول ما باهر اختفى، الجنينة بقى ليها طعم تاني.. الفوانيس بقت أنور، والهوا بقى أبرد وأحلى. حطيت الميكروفون مكانه. إيدي كانت ثابتة تماماً. ما قلتش ولا كلمة تانية.. مشيت لحد طرف الجنينة، ووقفت قدام حمام السباحة والهوا بيطير فستاني. لأول مرة من سنين، حسيت إني بتنفس أكسجين بجد.

الحقيقة اتكلمت بدالي.

. وصوتها كان عالي كفاية للكل.

تم نسخ الرابط