فتحت الأوضة المقفولة ولقيت الصدمة!
صوت تزييق المراجيح كان مسموع مع الهوا.
كانت ليلة هادية من اللي بتنزل على جناين الأحياء السكنية قبل الضلمة ما تليل، لما الضحك بيختفي، والأهالي بيلموا عيالهم، وآخر شعاع شمس دهبي بيمد طوله على النجيل.
دانيال هاربر كان قاعد على كنبة خشب قديمة، ساند كوعه على ركبته، وباصص قدامه في اللاشيء. كان بييجي هنا كتير، مش عشان بيحب المكان، بس عشان ابنه كان بيحب ييجي هنا.. زمان.
قبل أوض المستشفيات.
قبل ما السكوت في بيتهم يبقى عالي لدرجة توجع القلب.
قبل ما كل حاجة تتغير.
دانيال طلع نفس طويل وهو بيفرك إيديه في بعض؛ فات تلات سنين، بس لسه في أيام بتعدي عليه بيحس إنها لسه أول يوم.
"لو سمحت.. يا عمو؟"
الصوت كان واطي ورقيق.. صغير أوي لدرجة إنه ميكونش طالع من طفلة في جنينة فاضية وقت المغربية.
دانيال رفع عينه، لقى بنت صغيرة واقفة عند طرف رملة الألعاب، وماسكة أرنوب لعبة
كشر وبص حواليه، مفيش أهالي، مفيش حد بينده عليها. مفيش غير الهوا.. وهي.
وقف وقالها براحة: "أهلاً يا حبيبتي، فين بابا وماما؟"
هزت كتافها، مش استهتار، بس كأنها فعلاً مش عارفة. وقالت: "كنت مستنية."
سألها: "مستنية مين؟"
ردت: "ماما."
دانيال حس بنغزة في قلبه وسألها: "عارفة هي فين؟"
هزت راسها بـ "لأ" وقالت: "قالتلي خليكي هنا.. بس الدنيا بقت ضلمة."
بص حواليه تاني، مفيش أي حد، مفيش أم بتدور وهي مرعوبة، مفيش صوت رجلين. مفيش غير إحساس إن في حاجة غلط. سألها: "اسمك إيه؟"
قالت: "ليلي."
الاسم لمس جرح قديم جواه، بس داس على مشاعره وقالها: "أنا دانيال. بقالك هنا كتير يا ليلي؟"
بصت للسما وهي بتفكر: "بقالى كتير أوي."
ده مكنش رد واضح، بس كان كفاية.
قالها بصوت حنين: "طيب إيه رأيك نروح مكان دافي لحد ما نشوف هنعمل إيه؟"
ترددت شوية، وبعدين هزت راسها بالموافقة.
بيت دانيال مكنش بعيد، بيت متواضع في آخر شارع هادي، ونور المدخل بتاعه بيرعش لو ملمستش الكبس مرتين. فتح لها باب العربية وقالها: "اركبي."
ليلي ركبت براحة وهي لسه ماسكة الأرنوب. سألها وهو بيدور العربية: "الأرنوب ده ليه اسم؟"
هزت راسها وقالت: "مستر باتونز."
ابتسم دانيال ابتسامة خفيفة وقال: "طبعاً."
الطريق كان هادي، وليلي مكنتش بتسأل ولا بتتحرك كتير، كانت باصة من الشباك كأنها بتحفظ العالم. لما وصلوا، دانيال تردد تاني؛ إنك تجيب طفلة البيت حاجة مش سهلة، بس يسيبها لوحدها في الجنينة؟
قالها: "يلا ندخل، وهنكلم حد يساعدنا نوصل لماما."
ليلي هزت راسها، هادية زيادة عن اللزوم.
البيت كانت ريحته قهوة وكتب قديمة. دانيال نور النور -مرة، مرتين- والصالة نورت. قالها: "اتفضلي استريحي،" وشاور لها على الكنبة.
دخلت براحة وبصت حواليها، مش بفضول ولا استغراب، كأنها كانت هنا قبل كدة. دانيال طرد الفكرة من دماغه وسألها: "جوعانة؟ أعملك سندوتش جبنة سايحة؟"
هزت راسها بالموافقة.
في المطبخ، دانيال كان بيتحرك زي الآلة، رتم الطبخ البسيط هداه شوية، وللحظة حس إن كل حاجة طبيعية.. لحد ما سمعها بتقول من وراه: "هو ده بتاعه؟"
دانيال اتسمر مكانه، ولف براحة. ليلي كانت واقفة عند الطرقة بتشاور على الأوضة اللي دايماً قفلها. سألها بصوت واطي: "إيه؟"
شاورت تاني وقالت: "الأوضة دي.. هي بتاعته؟"
رعشة مشيت في جسمه وسألها: "عرفتي منين؟"
مالت براسها
رد بسرعة: "لأ."