أبي.. بالفعل لا بالاسم
المحتويات
أحيانًا
ماذا بك يا بُني؟
فيجيبه ماتيو بصراحةٍ لا يمنحها لأحدٍ غيره
أشعر بالخوف أشعر أنني لن أقدر أشعر أن كل هذا أكبر مني.
ولم يكن هيكتور يجمّل الحقيقة أو يسكب عليه الكلمات الناعمة فقط ليهدّئه مؤقتًا. لم يكن رجل شعارات. كان رجلًا يعرف الحياة كما تُعرَف من الاحتكاك المباشر، من الوقوف على السقالات، من حمل الأثقال، من احتمال الألم لأن العمل لا ينتظر ضعف أحد. لذلك كان يردّ دائمًا ببساطته الحادة
إذًا افعله وأنت خائف.
لكنني مرهق.
افعله وأنت مرهق.
أشعر أنني قد أنكسر.
لا بأس افعله حتى وأنت على وشك الانكسار. الشجاعة ليست ألّا تخاف، الشجاعة أن تُكمل رغم خوفك.
كانت تلك الكلمات، على بساطتها، تدخل إلى ماتيو كأنها مسامير تثبّت شيئًا داخله حتى لا يتداعى. لم تكن فلسفةً جامعية، ولا لغةً أدبية، لكنها كانت خلاصة رجلٍ تعلّم أن الحياة لا تنتظر من يتعافى تمامًا كي يواصل السير. وهكذا، ظلّ ماتيو يتقدم عامًا بعد عام، مدفوعًا بذلك الإيمان الصلب الذي زرعه فيه هيكتور دون ضجيج.
وخلال سنوات البحث، لم تكن الأيام رحيمة. كانت هناك ليالٍ طويلة ينام فيها على مكتبه، وأخرى يحدّق فيها في الأوراق دون أن يقرأ سطرًا واحدًا من شدة القلق. كانت هناك ملاحظات قاسية من المشرفين، وتأجيلات، وتصحيحات لا تنتهي، وقلقٌ دائم من نقص المال، وألمٌ خفي من شعورٍ لا يفارقه بأنه ما زال دخيلًا على هذا العالم، مهما اجتهد، ومهما تفوّق، ومهما أثبت نفسه. كان يرى من حوله من يدخلون القاعات بثقة من وُلدوا وهم يعرفون الطريق، بينما هو كان لا يزال يشعر أحيانًا بأنه الطفل القادم من بلدةٍ مغبرة، الذي يحمل في حقيبته أكثر من كتاب
وفي إحدى المرات، أرسلت له إلينا صورةً عبر الهاتف. كانت الصورة بسيطة جدًا هيكتور واقف في فناء البيت، منحنٍ قليلًا، يصلح سياجًا مكسورًا حتى لا تهرب الدجاجات. كان يمسك المطرقة كعادته، بكامل تركيزه، كما لو أن إصلاح ذلك السياج مسألة كبرى لا تحتمل الإهمال. وتحت الصورة كتبت له إلينا قال لك استمرّ في عملك، فالأبواب لا تُفتح وحدها.
قرأ ماتيو الرسالة أكثر من مرة. ثم طبع الصورة وثبّتها فوق مكتبه. ومنذ ذلك اليوم، كلما شعر بالإنهاك، رفع عينيه إلى تلك الصورة. لم يكن يرى فيها مجرد رجلٍ يصلح سياجًا، بل كان يرى حياته كلّها رجلًا ظلّ طوال عمره يصلح ما يتصدّع، ويسند ما يميل، ويمنع ما يحب من الانفلات.
وحين تحدد أخيرًا موعد مناقشة الأطروحة، وكان ذلك قبيل عيد الميلاد، اتصل بوالدته ليخبرها. بكت إلينا من الفرح قبل أن تكمل الاستماع. أما هيكتور، فلم يقل شيئًا في البداية، ثم سأل فقط
في أي يوم؟
ضحك ماتيو رغم توتره، وقال له التاريخ. ثم حاول أن يثنيه عن الحضور. قال له إن السفر سيكون متعبًا، وإن المدينة مزدحمة، وإنه يعرف كم يكره الزحام والطرقات الطويلة والمبيت بعيدًا عن البيت. لكنه لم يتوقع أن يأتيه الجواب بتلك البساطة التي كسرت قلبه من شدّة صدقها
أنا أكره المدن حين أكون وحدي لا حين أذهب لأرى ابني يصبح دكتورًا.
وصل هيكتور قبل الموعد بيومين. جاء ببدلةٍ مستعارة بعناية، وبحذاء لامع أكثر مما ينبغي، وكان واضحًا أنه لا يشعر بالراحة في تلك الملابس، كأنها لا تشبهه، أو كأنها تحاول أن تضعه في هيئةٍ أخرى لا يحتاجها أصلًا. ومع ذلك لبسها. لا ليبدو مهمًا أمام
وفي صباح المناقشة، جلس في آخر القاعة، كما يفعل الرجال الذين اعتادوا ألا يزاحموا أحدًا على الواجهة. كان مستقيم الظهر قدر ما تسمح له سنوات العمل، صامتًا، عيناه لا تفارقان ماتيو لحظةً واحدة. لم يكن يفهم كل ما يُقال في القاعة، ولا المصطلحات الأكاديمية، ولا تفاصيل المنهج، لكنه كان يفهم شيئًا واحدًا بوضوحٍ كامل أن هذا الشاب الذي يقف هناك، يتحدث بثقةٍ أمام الأساتذة، هو ثمرة عمرٍ كامل من التعب لم يذهب سدى.
سارت المناقشة على خير ما يكون. أجاب ماتيو عن الأسئلة، ودافع عن أفكاره، ومرّت اللحظات الثقيلة التي كان يخشاها، ثم أعلنوا نجاحه. دوّى التصفيق في القاعة. اقترب منه الأساتذة والزملاء، وانهالت عليه كلمات التهنئة، لكن قلبه لم يكن مع أحدٍ منهم. ما إن انتهت اللحظة الرسمية حتى نزل عن المنصة مباشرةً، متجاوزًا الجميع، كأنه يعرف أن الاعتراف الحقيقي لا يزال ينتظره في الخلف.
مشى نحو آخر القاعة، نحو ذلك الرجل الصامت الذي جلس طوال الوقت كمن يراقب معجزةً صغيرة حدثت بين يديه ثم كبرت حتى خرجت إلى العالم.
وقف أمامه.
ولوهلة، لم يعرف أيّهما أولى بالكلام.
ثم مدّ هيكتور يده، وضغط على كتفه ضغطًا خفيفًا، وقال بصوتٍ مبحوح من الفخر الذي يحاول الاختباء
أنت صنعت الكتب وأنا فقط أمسكتُ لك بالسلم.
كانت الجملة بسيطة، لكنها هزّت ماتيو من الداخل. لأن هذا كان يشبه هيكتور تمامًا يختصر كل التضحيات في عبارةٍ صغيرة، ويحوّل العمر كله إلى مجرد سلم.
وكان ماتيو على وشك أن ينكسر من التأثر، حين انشقّ الصمت بصوتٍ
هل هذا الرجل هو هيكتور ميندوزا؟
التفت الجميع.
كان المتحدث الدكتور ألفارو مندييتا، أستاذ اللجنة الأكثر صرامة، الرجل الذي ارتبط اسمه في الكلية بالخوف والهيبة، والذي لم يعرفه الطلاب يومًا رجلًا يوزّع المديح أو يستدعي الذكريات. لكن حين نظر إلى هيكتور، لم يكن في صوته شيء من حدّته المعتادة. كان فيه شيء آخر اعتراف قديم، وامتنان لم يذبل.
اقترب ببطء، وعيناه لا تفارقان وجه هيكتور.
ثم قال، كمن يعيد تركيب صورة احتفظ بها في ذاكرته سنوات طويلة
أنا أعرف هذا الرجل أو بالأحرى، لم أنسه يومًا.
ساد الصمت في القاعة.
حتى الذين كانوا يستعدون للمغادرة توقفوا. كان في طريقة الدكتور مندييتا ما جعل الجميع يشعر أن شيئًا أكبر من مجرد تهنئة أكاديمية على وشك أن يُقال.
تنفّس بعمق، ثم بدأ يحكي.
قال إنه حين كان طفلًا، كان يرافق والده أحيانًا إلى موقع بناء في حيّ دوثتوريس. وكان والده يعمل هناك، وكان هو يتجول قرب المكان بعينين صغيرتين تلتقطان كل شيء. وفي أحد الأيام، وقع حادث. سقط عامل من فوق سقالة، وارتطم بطريقة أرعبت الجميع. دوّى الصراخ، وارتبك العمال، وبدأ كل واحد يصرخ بالتعليمات دون أن يقترب أحد فعليًا. كانت الفوضى أكبر من الشجاعة، والخوف أسرع من الفعل.
ثم ظهر رجل.
عامل بناء، ذراعه مصابة أصلًا، وصعد رغم ذلك.
لم يتوقف ليسأل من المسؤول. لم ينتظر الإسعاف أولًا. لم ينظر حوله بحثًا عمّن سيشاركه المجازفة. صعد وحده، حمل الرجل على كتفه، ونزل به حيًّا.
توقف الدكتور مندييتا لحظة، ثم نظر إلى هيكتور مباشرةً وقال
ذلك الرجل كان أنت.
بقيت القاعة صامتة.
خفض هيكتور نظره كما لو أن الأمر
متابعة القراءة