أبي.. بالفعل لا بالاسم

لمحة نيوز

وقف في آخر القاعة ببدلة مستعارة لكن الحقيقة التي كشفها الأستاذ صدمت الجميع!
في اليوم الذي دافع فيه ماتيو عن أطروحته للدكتوراه، لم يكن ما شدّ على صدره هو الشهادة ولا التصفيق، بل رؤيته لذلك البنّاء المنحني في آخر القاعة يمسح دمعةً بخفية، وكأنه لا يملك الحق في البكاء في مكانٍ أنيق كهذا.
ومن فوق المنصّة، تعرّف ماتيو فورًا إلى تلك اليدين الغليظتين، المتشققتين من أثر الإسمنت، الموضوعتين بتردد فوق بدلةٍ مستعارة كانت أوسع منه قليلًا. كانت تلك يدي هيكتور ميندوزا، زوج أمه. الرجل الذي رفض سنواتٍ أن يناديه أبي. الرجل الذي حمل حياته قبل أن يفهم هو ما تعنيه أطروحة أو منحة أو جامعة.
نشأ ماتيو في سان خاسينتو ديل باخيو، بلدةٍ حارّة في غواناخواتو، حيث يتسلل الغبار إلى الملابس والطعام وحتى إلى الإحساس بالخجل. هناك، كان الجميع يعرف من يملك المال، ومن عليه ديون في الدكان، ومن تُرك وحيدًا. لم يمت والده البيولوجي ولم يختفِ في مأساة، بل رحل ذات صباح، تاركًا كرسيًا فارغًا لم يُملأ قط. بقيت أمه، إلينا، وحدها مع طفلٍ صغير، وديونٍ متراكمة، وأيامٍ طويلة من العمل في تنظيف المكاتب وغسل ملابس الآخرين.
في ذلك البيت المتواضع، لم يكن الحب يأتي في صورة عناقٍ طويل أو هدايا باهظة، بل كان يصل على هيئة خبزٍ ساخن، وفاصولياء تُدّخر لليوم التالي، ولعبةٍ مستعملة من السوق الشعبي حين تلاحظ إلينا أن ابنها صار صامتًا أكثر من اللازم. تعلّم ماتيو مبكرًا أن الطلب الكثير خطر، وأن الصمت أقل كلفة.
حين بلغ الرابعة، تزوّجت إلينا من جديد. لم يأتِ هيكتور كما يأتي الرجال في الروايات، بوعودٍ ناعمة أو مالٍ يكفي لمحو القلق، بل جاء بصندوق أدواتٍ

مهترئ، وحذاءٍ مغطى بالغبار، ورائحةٍ دائمة من الإسمنت والمعدن والمشمس. كرهه ماتيو منذ اللحظة الأولى، لا لأنه آذاه، بل لأن وجوده أثبت حقيقةً موجعة إذا استطاع رجلٌ آخر دخول البيت، فهذا يعني أن والده قد رحل حقًا.
في اليوم الأول، اختبأ ماتيو خلف تنورة أمه وحدّق فيه بغضب.
مرحبًا قال هيكتور بصوتٍ خافت لا بد أنك ماتيو.
لم يردّ الطفل.
باب خزانة المطبخ مرتخٍ تمتم هيكتور وهو ينظر إلى إلينا إن شئتِ أصلحه.
لم يُلقِ خطابًا ولم يحاول استمالته، بل انحنى وأخرج مفكًّا، وأصلح الباب الذي لم يُغلق جيدًا منذ أشهر. في بيتٍ فقير، حتى مفصلةٌ تستقيم تُعدّ معجزةً صغيرة. شاهد ماتيو ذلك بامتعاض، ومع ذلك لم ينسَ أن أول ما فعله هذا الرجل هو إصلاح شيءٍ مكسور دون طلب شكر.
في المدرسة الابتدائية، كان المجتمع قاسيًا بطريقته الصامتة. كانوا يسألون ماتيو لماذا لا يأتي أحدٌ لاصطحابه، ويسخرون من طعامه وحذائه وحقيبته. بدأ بعض الأطفال ينادونه ابن لا أحد. أحيانًا كانوا يخفون دفاتره، وأحيانًا يدفعونه خلف الصفوف. لم يُخبر أمه، لأنها كانت تعود مرهقة، بعينين محمرّتين ويدين متشققتين.
لكنه قال ذلك لهيكتور دون قصد، ذات ظهيرة عاد فيها بقميصٍ ممزق وركبتين متسختين. لم تكن إلينا في البيت. كان هيكتور يتناول طعامه بهدوء. رفع نظره وسأل 
من فعل بك هذا؟
صمت ماتيو. وضع هيكتور الطعام أمامه وانتظر.
لستَ مضطرًا لإخباري قال أخيرًا لكن إن احتجتَ أحدًا يومًا، سأكون هنا.
رفع الطفل نظره لأول مرة.
أنت لست أبي.
أومأ هيكتور.
لا أطلب منك أن تناديني كذلك، فقط أقول إنك لست وحدك.
بعد أسبوع، حاصره الأولاد مرة أخرى. سخروا منه ومن أمه وألقوا حقيبته بينهم.
شعر بأن صوته اختنق. فجأة سمع صوت فرامل دراجة. كان هيكتور. نزل بهدوء، واقترب ببطء.
هل انتهيتم؟ سأل.
سقطت الحقيبة.
ومن أنت؟ قال أحدهم.
التقط هيكتور الحقيبة ونظر إلى ماتيو 
أنا الذي جاء لأجله.
في طريق العودة، كان ماتيو يقف خلفه على الدراجة.
الجبناء يختارون من يظنونه وحيدًا قال هيكتور فلنُرِهم أنك لست كذلك.
ظلّت كلمة أبي عالقة في حلق ماتيو أشهرًا، حتى يومٍ سقط فيه وجرح ركبته.
يؤلم همس الطفل.
نعم، ما هو حقيقي يؤلم.
ثم قال 
أبي هل تنفخ عليها؟
تجمّد هيكتور لحظة، ثم انحنى ونفخ بلطف. وقفت إلينا تبكي بصمت.
مرّت السنوات، وبقي الفقر، لكن بقي هيكتور أيضًا. يسأل، يصلح، يدعم، ويكرر أن العلم يفتح أبوابًا لا يفتحها المال. حين قُبل ماتيو في جامعة في مكسيكو سيتي، بكت إلينا. أما هيكتور، فباع دراجته الوحيدة. وضع له طعامًا وأخفى رسالة يقول فيها إنه لا يفهم كتبه، لكنه يفهمه هو، وسيدعمه دائمًا.
وعندما انطلقت الحافلة، ضغط ماتيو الرسالة على صدره، ونظر إلى الرجل الذي خسر دراجته لأجله وشعر لأول مرة أن حلمه قد يكون مكلفًا جدًا للرجل الوحيد الذي لم يتركه يومًا.
المدينة لا ترحم
استقبلته مدينة مكسيكو بالدخان والضجيج وإحساسٍ قاسٍ بالصغر. وصل ماتيو بحقيبتين، وعلبة طعام، ورسالة هيكتور محفوظة في محفظته. أدرك سريعًا أن أحدًا لن يشفق عليه لأنه قادم من بلدة فقيرة. هناك، لم يكن الأصل مهمًا، بل القدرة على الصمود.
كان زملاؤه يتحدثون بثقة، يذكرون أسماء الكتّاب بسهولة، ويقترحون مقاهي باهظة بثقة طبيعية. عمل ماتيو منذ الفصل الأول في ترتيب الكتب، وإعطاء الدروس، وخدمة القهوة. تعلّم أن يدرس وهو متعب، وأن يكتب ليلًا، وأن يتحمل
الجوع أحيانًا.
كل شهر، كان يصله ظرف صغير فيه مال قليل ورسالة قصيرة من هيكتور للطعام، لا تتجاوزه. كان ماتيو يغضب، لكنه لم يستطع إيقافه. كان هيكتور يقول إنه لا يستطيع أن يمنحه علاقات أو رفاهية، لكنه يستطيع أن يضمن أنه لن يجوع.
مع مرور الوقت، صار ماتيو أشدّ بأسًا مما كان عليه من قبل. لم يكن أكثر الطلاب صخبًا، ولا أكثرهم حضورًا في النقاشات لمجرد لفت الانتباه، لكنه كان الأكثر عنادًا وإصرارًا، كمن يعرف أن أي تراجع بسيط قد يكلّفه سنواتٍ من التعب الذي بُنيت عليه رحلته كلها. كان يدخل قاعات المحاضرات وفي داخله إحساسٌ دائم بأنه لا يملك رفاهية الفشل، وأن كل صفحة يقرؤها، وكل فكرة يناقشها، وكل امتحان يجتازه، ليست تخصّه وحده، بل تخصّ أيضًا ذلك الرجل الذي ظلّ ينهض قبل الفجر ليعمل تحت الشمس الحارقة، حاملًا الإسمنت والطوب والحديد، فقط كي يبقى طريق العلم مفتوحًا أمامه.
نال منحةً أولى، ثم ثانية، ثم وجد نفسه مع مرور الأعوام ينتقل من مرحلةٍ إلى أخرى كأنّه يصعد سلّمًا طويلًا بقدميه المرتجفتين. ومع كل درجةٍ كان يصعدها، كان يشعر في الوقت نفسه بثقلٍ جديد. لم يكن صعوده خفيفًا ولا سهلًا، لأنه كان يعلم في أعماقه أن كل خطوة يخطوها قامت على شيءٍ من تعب هيكتور، وعلى شيءٍ من صمت إلينا، وعلى شيءٍ من الحرمان الذي قُبل في البيت باعتباره ثمنًا طبيعيًا لحلمه.
وحين كان الخوف ينهشه من الداخل، لم يكن يتصل بأستاذه، ولا بزملائه، ولا بأيّ شخصٍ من ذلك العالم الأكاديمي الذي بدا أنيقًا من الخارج وباردًا من الداخل. كان يتصل بهيكتور. بذلك الرجل الذي لم يقرأ كتبه، ولم يفهم لغة الأبحاث المعقدة، لكنه كان يفهمه هو. كان يسمع صوته عبر الهاتف،
صوتًا خشنًا متعبًا، لكنه ثابت، فيسأله
تم نسخ الرابط