جنازة بلا وداع
في جنازة زوجي، كنت أعتقد أنني أعرف كل فصلٍ من فصول حياته، ثم اقترب مني فتى مراهق لم أره من قبل، نظر في عينيّ، وقال شيئًا حطّم كل ما ظننت أنني أعرفه لقد أخبرني أنه إذا حدث له أي شيء فإنكِ ستعتنين بي.
وهكذا، في لحظة، اختلّ توازُن عالمي.
كنتُ متزوجة من عادل منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا. ثمانية وعشرون عامًامدة كافية لأظن أنني أعرف كل شيء عنه. عاداته، تاريخه، وحتى أدق التفاصيل التي قد يتجاهلها معظم الناس. كنت أعرف حكايات طفولته، سنوات دراسته الجامعية، تلك الشقة الصغيرة الأولى التي عشنا فيها في بداية طريقنا، بتدفئتها المعطلة وأثاثها البسيط المستعمل. كنا متداخلين إلى حد أنني كنت أعرف كيف يحرّك قهوتهبعكس اتجاه عقارب الساعةوكنت أعلم أنه يدندن بنغمة غير موزونة كلما شعر بالتوتر.
كانت حياتنا بسيطة، لا حسابات مصرفية خفية، لا رحلات عمل غامضة في وقت متأخر من الليل، مجرد روتين. رحلات تسوق يوم الجمعة، قهوة نتشاركها قبل العمل، وأمسيات هادئة على الأريكة.
لذلك، حين فقدته، لم يكن الأمر مجرد حزن، بل شعورٌ بأن الأرض من تحتي قد اختفت. حدث ذلك فجأة، نوبة قلبية في مدخل المنزل. في لحظة، كان يجادل حول ما إذا كنا بحاجة إلى طلاء السور، وفي اللحظة التالية، كنتُ في مؤخرة سيارة الإسعاف، أقبض على يده بقوة، وأتوسل إليه ألا يتركني عادل، ابقَ معي! أرجوك، لا تتركني! لكنه كان قد بدأ يفلت مني بالفعل، ارتخت يده قبل أن نصل إلى المستشفى.
كانت الجنازة بسيطة، العائلة، بعض زملاء العمل، وبعض الجيران. وقفتُ إلى جانب المعزين أحيّي أشخاصًا بالكاد استوعبت كلماتهم. كنت أومئ برأسي وأشكرهم مرارًا وتكرارًا، حتى بدأ وجهي يؤلمني من التماسك. ثم لاحظته.. الفتى.
طويل القامة، ربما في الخامسة عشرة، يرتدي سترة داكنة تبدو أكبر قليلًا من مقاسه. كانت يداه متشابكتين بقلق، كأنه يستعد لشيء. لم يكن يتحدث إلى أحد، لم يكن مع أحد،
عن قرب، رأيت كم هو صغير حقًا، فكه لا يزال يحمل ملامح الطفولة، لكن عيناه كانت تحملان ثقلًا لا ينبغي لصبي في عمره أن يحمله. قال بأدب البقاء لله.. أعزّيكي في خسارتك. أجبته بشكل تلقائي شكرًا. ابتلع ريقه، ثم أضاف بهدوء لقد أخبرني أنه إذا حدث له أي شيء فإنكِ ستعتنين بي.
للحظة، ظننت أنني لم أسمعه جيدًا عذرًا؟ ماذا؟ التقى نظره بنظري وقال عادل وعدني. سألته بدهشة أن أعتني بك؟ من أنت؟ أجاب اسمي آدم. بدا المكان فجأة أضيق. قبل أن يُكمل، تحدثت بسرعة، أحاول استعادة توازني أعتقد أن هناك خطأ ما، لا ينبغي أن تكون هنا، هذه مراسم خاصة.
لكن الأفكار كانت قد بدأت تتسابق؛ ابن سري؟ علاقة خفية؟ حياة مزدوجة؟ اشتدّ صدري.. ثمانية وعشرون عامًا، هل كنت أعرفه حقًا؟ انخفضت ملامح آدم، لكنه لم يتحرك وقال قال لي أن آتي وأجدكِ. قلتُ بصوت مرتفع رغمًا عني لا أعرف ماذا أخبرك، لكن هذا ليس الوقت المناسب.
في موقع الدفن، أبقيت نظارتي الشمسية على عيني. وقفت بجانب القبر بينما كان الجميع يتحدث عن إخلاصه ونزاهته، وكانت كل كلمة تبدو كسؤال. تفحّصت الحضور، كان آدم قد اختفى. هكذا ببساطة.
عندما عدت إلى المنزل ورحل الجميع، حلّ الصمت. توجهت مباشرة إلى مكتب عادل. كانت الخزنة مخفية خلف لوحة مؤطرة، كنت أعرف الرمز، كان ذلك دائمًا شيئًا أفخر به، أننا نتشارك كل شيء.. أو هكذا ظننت. ارتجفت يداي وأنا أدخل الأرقام، انفتح القفل، وفي الداخل كانت وثائق مرتبة بعناية، أوراق تأمين، صور قديمة، وقلّبت بينها حتى أوقفتني صورة فجأة.
امرأة تحمل طفلًا، كان شعرها الداكن مربوطًا بشكل فوضوي، وكانت تبتسم للرضيع بين ذراعيها. قلبت الصورة، وبخط عادل المألوف كُتب دينا والطفل آدم. انهرت في الكرسي، لم يكن الطفل يتجاوز بضعة أشهر، منذ خمسة عشر عامًا. كيف فعلت هذا؟ همست. ملأ عقلي الفراغات بوضوح