حين يصبح البيت سجناً بارداً

لمحة نيوز

حاجة غلط؛ مش حاجة شفتها ولا سمعتها، حاجة حسيتها. البيت من جوه كان عامل زي التلاجة، أبرد بكتير من الشارع لدرجة إن عيني دمعت. مفيش حد عاقل يسيب بيته في نوفمبر من غير تدفئة إلا لو مفيش حل تاني.
الطرقة كانت نظيفة بزيادة. مفيش جزم عند المشاية، مفيش بالطي متعلق، مفيش جوابات مفتوحة. المكان ما كانش باين إن فيه حد عايش، كان باين إنه مُدار. قفلت الباب براحة ووقفت أسمع. في الأول سمعت صوت الموتور بتاع التلاجة، وبعدين سمعت صوت مياه جارية. مش مياه دش، ولا حنفية مفتوحة على الآخر، ده صوت خيط مياه رفيع بيخبط في حوض معدن.
مشيت في الطرقة، السجاد كان بيكتم صوت خطواتي. الصور المتعلقة على الحيطة اللي لورا اختارتها كانت باينة كئيبة في الضوء الضعيف. في نص الطرقة شفت الثرموستات جهاز تنظيم الحرارة. كان محطوط في علبة بلاستيك مقفولة بقفل، زي اللي بنشوفها في المدارس أو المكاتب، مش في بيت عيلة. وقفت قدامها وقربت عيني. الشاشة كانت مكتوب عليها ٥٠ درجة فهرنهايت حوالي ١٠ درجات مئوية.
فضلت مبرقة ثواني لأن عقلي رافض يستوعب. حد مش بس وطى الحرارة كدة، حد قفل عليها بالقفل. بنتي كانت عايشة جوه وسيلة تعذيب.
وصلت للمطبخ، واللي شفته خلاني أحس إن دمي
اتجمد. لورا كانت واقفة قدام الحوض ومدياني ضهرها، إيديها كانت غطسانة في مياه أكيد كانت متلجة لأني شفت صوابعها لونها أحمر دم من بعيد. كانت بتترعش برعشة قوية بتهز كتافها وضهرها كله. كانت لابسة بلوفر قديم مقطع وليجن أسود باهت. شعرها اللي كان دايماً تقيل وجميل كان ملموم لمه عشوائية مبينة رقبتها الضعيفة.
تقريباً ما عرفتهاش من وشها. لورا كانت دايماً رفيقة، بس ده ما كانش رفع، ده كان ذبول. وشها كان غاير، وتحت عينيها سواد من التعب. كانت واقفة محنية وكأنها بتحاول ما تاخدش مساحة من المكان وهي واقفة لوحدها.
وفي الأوضة اللي جنبها، كان فيه دفا. دانيال وأمه كانوا قاعدين في أوضة السفرة على بعد خطوات، وفيه دفاية صغيرة منورة باللون البرتقالي تحت الترابيزة موجهة على رجليهم. كانوا لابسين بلوفرات تقيلة، وفيه إزازة نبيت مفتوحة جنبهم. البخار كان طالع من طبق الفراخ المحمرة والبطاطس والفاصوليا الخضراء بالزبدة. مارجريت، أمه، كانت قاعدة تضحك على حاجة دانيال قالها بمنتهى الروقان، وكأنها ست مش مقتنعة إن معاناة ست تانية ممكن تعطلها عن أكلها.
هم دفيانين، ولورا بتتجمد. هم بياكلوا، وهي بتشتغل. الغضب اللي ركبني كان قوي لدرجة إني شميت ريحة معدن
في بقي. في اللحظة دي كنت عايزة أدخل أكسر وش دانيال بأي حاجة تقيلة قدامي، وأجر مارجريت من رقبتها أخليها تركع في المياه المتلجة دي لحد ما صوابعها تزرق. كنت عايزة أعمل فضيحة ودم وكسر.
فجأة دانيال خبط بإيده على الترابيزة خبطة هزت البيت كله وزعق بطلي غسيل مواعين وهاتي أكل تاني! لورا اتنفضت لدرجة إن السفنجة وقعت من إيدها في الحوض وقالت بسرعة أنا آسفة.. أنا آسفة يا دانيال، أنا جاية حالا. صوتها ما كانش فيه ضيق، ولا نبرة زوجة زهقانة؛ كان فيه رعب. أنا أعرف صوت الرعب في الطفل كويس، مش مهم الطفل عنده ٥ سنين ولا ٢٨ سنة، الصوت ده بيوجع الأم في نفس المكان.
لورا وهي بتمد إيدها تجيب طبق من الدولاب، كم البلوفر المقطع اترفع وبانت دراعها. شفت كدمة كبيرة. علامات صوابع بنفسجي غامق لافة حوالين معصمها، كأن حد قبض على إيدها بقوة مش عشان يوجهها، لكن عشان يكسرها. ركبي كانت هتخونني، كنت عايزة أصرخ باسمها، بس عملت أصعب حاجة عملتها في حياتي فضلت ساكتة.
كأن فيه ست تانية دخلت جسمي، الست اللي ربت وعرفت إن الإنقاذ مش مجرد صرخة غضب إلا لو الغضب ده يقدر ينهي الموضوع للآخر. ولادي علموني عن الخطر أكتر مما يتخيلوا، مش لأنهم عنيفين، لكن لأن الرجالة
اللي حمايتهم هي مهنتهم عارفين إنك ما ينفعش تتحدى مؤذي في مملكته إلا لو كنت جاهز تسحب الضحية تماماً قبل ما تاخد نفسها اللي جاي، غير كدة بيبقى تهور ملوش لازمة.
لو كنت زعقت في دانيال وقتها، كان هيكذب، وهيضحك، وهيقول إن لورا مش متزنة نفسياً. ومارجريت كانت هتمثل الصدمة وتتكلم عن مشاكل الجواز. ولما كنت همشي لأني كنت همشي في الآخر لورا كانت هتدفع تمن غضبي ده من جسمها وروحها.
فحبست غضبي وقررت أطبق استراتيجية الحجر الرمادي؛ إني أكون هادية، مملة، ومفيش مني أي رد فعل يقدر يمسكه ضدي. دخلت المطبخ بوضوح. مارجريت شافتني الأول، كانت ماسكة كاس النبيت في نص الطريق لبقها، ملمح وشها ما كانش فيه إحراج ولا رعب، كان فيه زهق، كأني ضيفة مش مرغوب فيها. قالت ببرود أوه.. هيلين.
دانيال بص لي ورجع بص لطبقه تاني. مفيش ذرة خوف، ولا حتى فكر يداري الدفاية، ولا حتى قام يسلم على ست كبيرة داخلة بيته. كان مقتنع تماماً إن أي حاجة هشوفها هبلعها وأسكت. مارجريت كملت بكلام زي العسل المسموم ما كناش مستنيين ضيوف، أنا ودانيال بنتعشى عشاء عائلي خاص. وبنتي كانت واقفة تترعش زي الخدامة اللي مش واخدة أجرها.
بصيت ل دانيال، قطع حتة فراخ وقال ببرود لورا اتأخرت
في شغل
تم نسخ الرابط