أمانة جدتي كريمة
أمي مسكت معصم إيدي جامد وإحنا في مكتب المحامي عشان نقرا وصية جدتي، ووشوشت في ودني ببرود يرعب: "لو نولتي مليم واحد من ورث أمي، هخرب بيتك وهدمرك". وبعدها المحامي ركن الملف اللي في إيده وفتح ملف تاني خالص.. وكشف كل اللي هي عملته عشان تمسح وجودي من حياة جدتي. 😱
اسمها "وفاء". لما بتهدد، صوتها مابيعلاش، ولا حتى بترفع حاجبها.. بتبتسم وبتقول كلامها بمنتهى الهدوء كأنها بتطلب منك تعدي لها الملاحة على السفرة، بس عينها فيها غل مش طبيعي. كانت لابسة أسود شيك وريحة برفيوم غالي، وبترسم قدام الناس دور الابنة المكلومة اللي ماسكة نفسها بالعافية.
أنا "ليلى"، عندي 28 سنة، مدرسة ابتدائي في المنصورة. طول عمري عارفة إن أمي ست مش بتاعة مشاعر، دي ست بتاعة تخطيط ومصالح. كل خطوة بتحسبها زي لاعيبة الشطرنج.. وعشان كدة لما وشوشت في ودني يومها، حسيت برعشة في جسمي، مش خوفاً على الفلوس، بس لأني فهمت إن فيه لعبة كبيرة كانت بتتلعب من ورا ضهري وأنا آخر من يعلم.
قبل يوم المحامي ده بست شهور، في يوم تلات من شهر سبتمبر، جدتي "كريمة" كلمتني. كنت قاعدة في مدرستي بصحح كراسات الولاد، وشفت اسمها على الشاشة. رديت بسرعة: "تيتا! عاملة إيه؟". صوتها كان غريب، هادي وبطيء كأنها بتوزن كل كلمة. قالت لي: "اسمعيني يا ليلى.. مهما حصل يا بنتي، أنا خلاص أمنت كل حاجة ورتبتها".
مفهمتش تقصد إيه، ولما سألتها،
أمي مكنتش بتحب علاقتي القوية بجدتي. كانت بتبان في تعليقاتها السخيفة وكلامها اللي زي السم. جدتي كانت بتحبني من غير مقابل، وأمي مكنتش قادرة تغفر لها الحب ده.
تاني يوم الصبح، جيت أتصل بجدتي عشان أطمن، أمي هي اللي ردت: "هي نايمة، متتصليش تاني"، وقامت رقعت السماعة في وشي. حاولت بعدها كذا مرة، كان حد يرفع السماعة ويسكت وبعدين يقفل. خدت بعضي ورحت لحد بيتها في "المعادي"، لقيت نور البوابة مطفي، ودي كانت علامة وحشة جداً لأن جدتي مكنتش بتقفله أبداً. خبطت، جوز أمي فتح لي الباب وهو مربع إيده: "أمك قالت مفيش زيارات". قفل الباب في وشي وأنا شايفة نور أوضتها منور جوه.. كانت على بعد كام متر مني ومش عارفة أوصل لها.
لمدة تلات شهور، كنت ببعت جوابات بخط إيدي كل أسبوع، وعمري ما عرفت هي شافتها ولا لأ. لحد ما جات لي رسالة من رقم غريب: "جدتك بتسأل عليكي كل يوم.. هي في مستشفى الرعاية، أوعي تستسلمي". رحت المستشفى جري، الموظفة بصت لي بشفقة وقالت: "اسمك مش في كشف الزيارات المسموح لها بالدخول". أمي
بعدها بأسبوعين، أمي كلمتني قالت جملتين: "جدتك اتوفت. الجنازة يوم الخميس. والبسوا لبس يليق بالمناسبة". في الجنازة، كانت بتمثل دور الأم المثالية اللي مسابتش سرير أمها لحظة، والناس كانت بتواسيها ويشكروا في برها. وأنا واقفة ورا، ممرضة قربت مني وهمست: "جدتك مكنتش بتجيب سيرة غيرك كل يوم".
يوم مكتب المحامي في "وسط البلد"، أمي كانت قاعدة كأنها ملكة، ولابسة خاتم جدتي في إيدها. وقبل ما المحامي يبدأ، وشوشت لي بتهديدها اللي قلته في الأول. المحامي بدأ يقرا الوصية القديمة، وكانت سايبة كل حاجة لأمي: البيت، الحسابات، كل حاجة. أمي بصت لي بشماتة: "أهو.. أمي كانت عارفة مين اللي صانها بجد".
المحامي تنحنح، وركن الورق ده، وطلع ملف تاني: "فيه ملحق للوصية اتوقع قبل الوفاة بتلات أيام، وفيه (وقف) لا يجوز الرجوع فيه.. المستفيدة الوحيدة منه هي ليلى وفاء Salazar".
أمي لونها خطف ونفسها اتقطع. الوقف ده فيه كل حاجة: البيت، الحسابات، وحتى مذكرات جدتي ورسايلها. نظام قانوني ملوش ثغرة ومحدش يقدر يكسره. جدتي كانت عارفة هي بتعمل إيه بالظبط.
أمي فقدت أعصابها لأول مرة في حياتها وصوتها علي: "مستحيل! دي أكيد مكنتش في وعيها! الورق ده باطل!". المحامي رد ببرود: "الورق متوثق، وفيه تقرير طبي بياكد إنها كانت بكامل قواها العقلية". وفجأة،
أمي وشها بقى زي الأموات، خصوصاً لما المحامي قرا حتة من مذكرات جدتي: "هي مانعة ليلى عني.. وتليفوني مسحوب مني.. حاولت تمضيني على ورق مش فاهماه بس أنا قلبي كان حاسس. أنا بحب بنتي، بس مش هسمح لها تاخد حق ليلى. ليلى حبتني من غير طمع، وده الشيء الوحيد اللي أنا متأكدة منه".
محدش نطق بكلمة. قمت ووقفت، بصيت لأمي اللي كانت لابسة خاتم جدتي ومثلت في جنازتها، وقلت لها بهدوء: "أنا هنفذ وصية جدتي بالحرف". ومشيت وسبتها.
لما دخلت بيت جدتي، كنت خايفة من الفراغ، بس ريحتها كانت في كل حتة. لقيت كل جواباتي اللي بعتها متجمعة في درج الكومودينو جنب سريرها.. كانت بتقراهم! وفي آخر صفحة في مذكراتها، كتبت لي: "ليلى.. لو بتقري ده، يبقى خطتي نجحت. خليكي قوية، واسقي الزرع اللي في البلكونة بيحتاج مية كتير.. وأوعي تسمحي لحد يحسسك إنك قليلة تاني.. حتى لو كان الحد ده هو أنا".
أمي معتذرتش، وأنا متوقعتش ده. بس اللي عرفته إن جدتي كانت عارفة بنتها كويس، وحمتني منها وهي في أضعف حالاتها. دلوقتي أنا قاعدة في بيتها، بفتكر مكالمة يوم التلات وصوتها الهادي وهي بتقول لي "أنا أمنت كل حاجة". فعلاً يا تيتا.. أنتي أمنتي