قسوة التضحية

لمحة نيوز

"دخل الصناديق دي جوه،" أمي قالتها وهي واقفة في الجنينة اللي قدام بيتي وماسكة صينية أكل، وفي نفس الوقت كانت عربية نقل العفش بتاعة أختي واقفة ع الرصيف، كأنها خلاص استلمت البيت اللي أنا طفحت فيه الكوتة تسع سنين عشان أملكه. أبويا كان شايل الأباجورة بتاعتها، وأختي كانت مبتسمة ببرود كأن الموضوع منتهي وخلاص. بصيت لباب البيت، وبصيتلهم، وفي الآخر قررت اختار نفسي لأول مرة مش أهلي.
بعد تلات أيام بالظبط من دفع آخر قسط في التمويل العقاري، أختي الصغيرة بعتتلي لينك على "بينترست" مسمياه "تجديد ريسبشن أحلامنا".
كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ لما الإشعار جالي. الترابيزة كانت خشب صنوبر قديم ومخربش، كنت شارياها من "فيسبوك ماركت بليس" من ست سنين، وصنفرتها بنفسي بصنفرة كهربا كان صوتها زي مكنة قص النجيل في مكان ضيق. نور الصبح كان داخل من فوق الحوض، بارد وباهت، ومالي الأوضة بالهدوء اللي بيحسسك إن البيت ده فعلاً بتاعك. القهوة كانت بردت، وهدوم التمريض بتاعتي مكرمشة من وردية الليل اللي لسه مخلصاها. فاكرة كل تفصيلة، عشان دي كانت اللحظة اللي حاجة جوايا اتكسرت واتبدلت.
في الأول افتكرت إن "كولين" بعتت اللينك ده بالغلط. كانت ساعات بتعمل كدة، تبعت لينك غلط أو رسالة لشخص غلط، وتتعامل بعدها ببساطة ولا كأن في حاجة. بس لما فتحت اللينك.

. سبعة وتلاتين صورة. ركنات لونها كريمي، سبت خوص، مخدات خضرا. وفوق خالص، بخط إيد كولين: "عشان لما المكان يبقى بتاعنا أخيراً".
بتاعنا.
في كلمات المفروض ميبقاش ليها القوة إنها تقطع نفسك، بس ساعات كلمة صغيرة بتخبطك أجمد من البونية. تسع سنين. تسع شتاوات من الشغل الإضافي. تسع صيفات وأنا بقول "لأ" لأي خروجة. كنت بسوق عربية إزازها فيه شرخ زي شبكة العنكبوت عشان الـ 460 دولار اللي هيصلحوه أولى بيهم أصل القرض. كنت بلزق جزمي القديمة بالأمير، وبشيل غدايا في شنطة تبريد زرقاء خيطتها بخيط صيد سمك لما السوسته باظت. أنا ضحيت بالعشرينات بتاعتي عشان البيت ده.
اسمي "مارجو إليس". ممرضة علاج تنفسي في كولومبوس، أوهايو. عايشة في بيت بسيط مبني في السبعينات، بس ده أول مكان أحس إن الأرض اللي تحت رجلي ملكي لوحدي. أمي "ديان" بتؤمن بالعيلة زي ما ناس تانية بتؤمن بالطقس؛ العيلة يعني تضحية وكرم، كلام شكله نبيل لحد ما تشوفه بيتنفذ إزاي. أي حاجة كانت معايا وأنا صغيرة، كان المفروض أشاركها. أي حاجة مع كولين، كان المفروض تستمتع بيها لوحدها.
أبويا "فرانك" مكنش قاسي، بس كان بيهرب من المشاكل لدرجة التلاشي. لو أمي قالت إن حاجة معينة عدل، هو يهز راسه ويقول "مامتك عندها حق". أما "كولين"، فكانت أصغر مني بسنتين وعندها كاريزما بتعرف تصرفها صح. جربت
ميت مهنة وسابتهم، وأمي كانت بتسمي ده إنها "لسه بتدور على نفسها". الشخص الوحيد اللي كان شايف الصورة صح هي جدتي "نانا روث"؛ ست عندها 81 سنة وأشر من أي سكين عندي. هي اللي شجعتني أشتري البيت ده لما كان "خرابة" وقالتلي: "اشتري البيت الوحش وخليه بتاعك".
وفعلاً ده اللي عملته. مضيت قرض لمدة 30 سنة وقررت إني مش هقضي عمري كله بدفع تمنه. عيلتي مفهمتش ده. أمي قالت إنه واسع وموحش لواحدة لوحدها، وكولين سألتني بسخرية: "هو أنتي عايزة تعجزي نفسك بالعافية؟". أول سنة في البيت كانت كفاح بجد؛ كنت بشتغل وقت كامل وباخد ورديات زيادة، وفي أجازتي بصنفر الخشب وأصلح الحيطان. البيت اتغير ببطء، حتة حتة، لحد ما بقى بيت بجد.
لما دفعت آخر قسط، البنك طلعلي مديونية صفر. صرخت من الفرحة وعيطت عياط هستيري؛ عياط على كل وردية ليل وعلى كل مرة قلت فيها "لأ". كلمت نانا روث وكانت فخورة بيا جداً. بعدها بيومين كلمت أمي عشان أفرحها، لقيتها بتقولي: "أختك كولين صاحب البيت غلى عليها الإيجار ومتبهدلة". وبعدها بأربعة أيام كولين بعتتلي: "هو بيتك فيه كام أوضة؟ أصل المكان واسع عليكي لوحدك".
نانا روث قالتلي: "أختك ناوية تنقل عندك، أمك طول عمرها شايفة إنك عشان يعتمد عليكي يبقى أنتي متاحة لأي حد". وقلتلي: "قولي لأ مرة واحدة وبوضوح، واقفل الباب". وده اللي
حصل. رجعت من وردية 12 ساعة لقيت عربية نقل عفش قدام بيتي. أمي شايلة صينية أكل، وأبويا شايل أباجورة، وكولين واقفة وسط الصناديق.
أمي قالت ببرود: "العدل إننا نشارك يا مارجو، أختك محتاجة مساعدة". قلتلهم: "محدش هينقل في بيتي". أمي اتصدمت وقالت: "متبقيش درامية". قلتلها: "الأناني هو اللي يقرر إن تعبي ملك للكل، الأناني هو اللي يجي بعربية نقل من غير ما يستأذن". طردتهم من قدام البيت رغم عياط كولين واتهامات أمي إني بقيت "قاسية".
غيرت الكوالين وركبت كاميرات. وبدأت الحملة العائلية ضدي؛ خالاتي وقرايبي والكل بيكلمني عن "الرحمة والعيلة". بس أنا بعتتلهم سكرين شوت برسايل كولين القديمة اللي بتثبت إنها كانت بتخطط لده من ورايا، وإنها كدبت لما قالت إني عرضت عليها السكن.
بعد فترة، كولين جاتلي واعتذرت، وقالت إنها كانت بتتعامل معايا كأني "مكنة بتطلع استقرار" لما حياتها تبوظ. وأبويا جالي واعترف إنه كان عارف إن اللي حصل غلط بس مكنش قادر يقف قدام أمي.
دلوقتي، الأوضة التالتة اللي الكل كان طمعان فيها بقت "أوضة القراءة" بتاعتي؛ دهنتها أخضر غامق وحطيت فيها كتبي وصوري. البيت دلوقتي هادي، ملكي فعلاً. بقيت بستقبلهم كضيوف بمزاجي، مش كأصحاب حق. البيت ده مكنش مجرد طوب وأسمنت، كان الدرس اللي اتعلمت فيه إني أقف في صف نفسي لأول مرة، ومن غير
اعتذار.
النهاية

تم نسخ الرابط