مراتي ماتت وسابت لي طفلين

لمحة نيوز

أنا ركبت ستة وعشرين كاميرا مراقبة مخفية في كل ركن في البيت، من أول النجف لحد زوايا الحيطان والبراويز. كنت مقتنع تماماً إني هقفش المربية وهي بتلعب في الموبايل أو بتهمل ولادي التوأم. الحقيقة إن الحزن كان نشف قلبي وقسّاه، خاصة بعد ما "سارة" مراتي وحبيبة عمري ماتت بعد الولادة بأربعة أيام بس. سابتني لوحدي في فيلا ضخمة في التجمع، كلها قزاز وبرود، صمتها بيوجع أكتر من أي دوشة. لقيت نفسي فجأة أب لتوأم، "ياسين" و"زين"، وأنا مش عارف أواسي نفسي ولا أراعيهم.
"ياسين" كان بيقطع قلبي؛ صريخه مبيسكتش، وجسمه الصغير كان بيتشنج وبيرتعش بنوبات غريبة، والدكاترة كالعادة يقولوا "ده مغص رضع عادي، بكرة يكبر ويخف". لكن أخت مراتي، "شيرين"، مكنتش بتسكت؛ كانت دايماً تزن فوق دماغي وتتهمني إني "بارد مشاعرياً" وإن العيال بيصرخوا عشان حاسين ببعدي عنهم. كانت بتحاول بكل الطرق ترسم صورة الأب الفاشل عشان تسيطر على الولاد، ومن وراهم طبعاً "صندوق ورث المنشاوي" والإمبراطورية اللي تعبت

فيها سنين.
كنت فاكر إن التكنولوجيا والكاميرات هي اللي هتحمي بيتي من أي غدر، مكنتش أعرف إنها هتكشف لي إن الغدر طالع من دمي أنا.
في وسط الغابة دي، ظهرت "ليلى". بنت هادية جداً، ملامحها بسيطة، طالبة تمريض بتكافح وشغالة في تلات أماكن عشان تصرف على دراستها ومصاريفها. ليلى مطلبتش أي حاجة رفاهية، بالعكس، طلبت طلب غريب؛ إنها تنام على الأرض في أوضة الأطفال بين سريرين التوأم. "شيرين" شعللت النار وقالت لي: "دي أكيد بتخطط لحاجة، دي كسلانة ومريبة ومش من مستوانا".
كلام شيرين خلاني أشك زيادة، وفي ليلة مكنش جايلي فيها نوم، الساعة دقت 3 الفجر، فتحت اللاب توب ودخلت على بث الكاميرات وأنا مستعد أشوف كارثة أو إهمال يخليني أطردها فوراً.
لكن المنظر اللي شفته خلاني أتسمّر مكاني. ليلى كانت قاعدة بجد على الأرض بين السريرين، واخدة "ياسين" الضعيف في حضنها، ملامسة جلده لجلدها بحنان ميتوصفش، وبدأت تدندن بصوت واطي جداً "لولاية" أو أغنية نوم سارة مراتي كانت مألفاها ومسجلاها
في نوتة سرية لولادنا بس قبل ما تموت.. مكنش فيه مخلوق في الدنيا يعرف اللحن ده ولا الكلمات دي غيري أنا وسارة. دموعي نزلت من غير ما أحس وأنا بسأل نفسي: "البنت دي عرفت الأغنية دي منين؟".
وفجأة، الباب اتفتح بهدوء ودخلت "شيرين" وهي فاكرة إن الكل نايم. كانت ماسكة في إيدها قطارة صغيرة فيها سائل فضي مريب، وقربت من ببرونة "زين". ليلى قامت في لحظة، وبكل ثبات وهدوء منعتها. ليلى كشفت لها إنها كانت مراقباها من أول يوم، وإنها بدلت الببرونات أصلًا وحطت لبن طبيعي نضيف، واكتشفت إن "شيرين" كانت بتحط مادة مهدئة لـ "ياسين" بجرعات معينة عشان يفضل تعبان ومخدر ويبان دايماً إنه مريض، فتثبت إني أب مهمل ومبفهمش في حالة ابني.
"شيرين" اتجننت وفقدت أعصابها وفضلت تزعق وتقول: "أنا أحق بالفلوس دي منك ومنها! أنا اللي هربي العيال دول وهسيطر على كل حاجة بمجرد ما المحكمة تحكم إني الوصية عليهم!".
هنا ليلى وقفت بكل شموخ وقالت لها الحقيقة اللي زلزلت كياني: "أنا مكنتش مجرد ممرضة في
المستشفى يا شيرين.. أنا كنت الممرضة اللي ماسكة إيد سارة وهي بتطلع في الروح. سارة حست إنك بتخططي لحاجة، ووصتني وصية عمري ما هخونها.. قالت لي احمي ولادي من غدر القريب قبل الغريب، وحفظتني الأغنية دي عشان لما يغيب صوتها، يحسوا بوجودها. أنا سبت شغلي وحياتي وجيت هنا كخادمة ومربية بس عشان أنفذ الوعد ده".
مستنيتش لحظة واحدة، جريت على أوضة الأطفال وفتحت الباب بقوة ونهيت المهزلة دي. طلبت البوليس فوراً اللي جه وخد "شيرين" وهي بتصرخ زي المجنونة.
بعد ما الدنيا هديت، قعدت على الأرض في نفس المكان اللي ليلى كانت قاعدة فيه، ولأول مرة من شهور، مسكت ولادي وضميتهم لصدري. شفت فيهم حتة من "سارة"، مش مجرد حمل أو مسؤولية تقيلة كنت هربان منها. من يومها، بطلنا نفتح الكاميرات، وفككنا نظام المراقبة كله؛ لأن اللي بيحمي البيت بجد هو الحب مش التكنولوجيا. وبقينا كل ليلة بنسمع ليلى وهي بتغني أغنية سارة، وبنينا بيت جديد أساسه الثقة، والوفاء، والحقيقة اللي ليلى حافظت عليها بروحها.

 

تم نسخ الرابط