ليلى نصار

لمحة نيوز

ليلى نصار كان عندها ستاشر سنة أول ليلة نامت فيها ورا "مطعم الهنا" في مدينة دمنهور، وهي حاطة شنطة ضهرها تحت راسها ولابسة جاكيت جينز قديم بتاع أمها وشادّاه لحد دقنها.
الرمل والحصى كان بيغرز في ضهرها، والبرد اللي جاي من جيهة الترعة كان بيلف في الشوارع بعد نص الليل ويخترق أي فتحة في لبسها كأنه عارف بالظبط يوجعها فين. في مكان ما على الطريق الزراعي، كانت فيه عربية نقل ضخمة بتهدي وهي نازلة من الكوبري، وفي مكان ما في مطبخ المطعم، حد وقع طاسة وشتم، وفي مكان ما في المدينة، ورا شبابيك دافية وأبواب مقفولة، كان فيه ناس نايمة في سراير ملكها.
ليلى فضلت باصة لحتة السما اللي فوق صندوق الزبالة المصدّي، وقالت لنفسها إنها هتقعد ليلة واحدة بس. الكلام ده كان من تلات ليالي. كان معاها تمانين جنيه في جيبها، ونص باكو بسكوت في شنطتها، ومفتاح في سلسلة فضة رفيعة لابساه من وهي عندها تلاتاشر سنة. أمها هي اللي كانت ادتهولها في ليلة من الليالي القليلة اللي كانت فايقة فيها وقادرة تتكلم بوضوح.
أمها همست لها وهي بتضغط على كف إيد ليلى بالمفتاح: "لو جرى أي حاجة، إياكي ترمي ده.. ده بتاع جدك، الحاج عباس منصور.. جنينة "وادي النخيل".. كان راجل ناشف، بس مش قاسي، وفيه فرق بين الاتنين." وقتها ليلى مكنتش عارفة تعمل إيه

بالكلام ده. ولما أمها ماتت الشتا اللي بعده في مستشفى حكومي، ليلى برضه مكنتش لسه عارفة.
على ما جه الربيع، كانت كبرت كفاية عشان تفهم حاجة واحدة: إن الكبار اللي المفروض يحموها، هما عادةً أول ناس بيختفوا. جوز أمها فص ملح وداب قبل ما مصاريف الجنازة تدفع. خالتها خدتها أسبوعين وبعدين اتهمتها إنها سرقت فلوس الخضار. راحت لبيت رعاية في المنصورة قعدت فيه تسعة أيام بس، لحد ما الراجل هناك بدأ يضايقها بنظراته وأسئلته البايخة. سابت البيت وهربت ومبصتش وراها تاني.
الساعة خمسة وعشرة الصبح، باب المطعم اللي ورا اتفتح. ليلى اتنفضت وقامت وقفت. ست في الخمسينات، لامة شعرها ولابسة مريلة كحلي، خرجت ومعاها كيس زبالة. شافت ليلى، اتسمرت مكانها، وحطت الكيس بالراحة.
"إنتي هربانة يا بنتي؟" ليلى ردت وهي بتلبس شنطتها: "أنا ماشية خلاص." الست سألتها: "أكلتي لقمة؟" ليلى ردت بكبرياء: "أنا كويسة." الست نفخت بضيق: "يا ضنايا، مفيش حد نايم هنا وبيبقى كويس." دخلت جوه وطلعت ومعاها رغيفين حواوشي سخنين، وكوباية شاي، وبرتقانة: "خدي دول قبل ما أغير رأيي.. أنا بنتي قدك وميرضينيش أشوفك كده.. اسمي ستيتة." ليلى شكرتها وخدت الأكل، وفي اللحظة دي دخلت عربية سوداء شيك ركنت قدام المطعم.
نزل منها راجل ببدلة كحلي، بص حواليه ولمح ليلى
ومشي ناحيتها: "ليلى نصار؟" ليلى خافت وكان نفسها تجري بس ثبتت مكانها: "مين اللي بيسأل؟" الراجل طلع كارت شخصي: "اسمي الأستاذ كمال، محامي.. بقالي فترة بدور عليكي. جدك الحاج عباس منصور اتوفى من ست أسابيع، وفي وصيته كتبلك إنتي كل أملاكه.. جنينة الموالح اللي في أطراف البحيرة."
ليلى انصدمت، مكنتش تعرف إن ليها جد أصلاً غير من حكاوي أمها. المحامي وراها الأوراق وقالها: "سابلك البيت والأرض وتلاتين فدان، بس فيه ديون وضرائب متأخرة والجنينة مهجورة." ليلى لمست المفتاح اللي في رقبتها وحست لأول مرة إن فيه أمل.. مكان ملكها، مش رصيف ولا ملجأ. سألته: "ليه أنا بالذات؟" كمال طلع ظرف قديم مكتوب عليه: "لحفيدتي ليلى.. لو قدرتم تلاقوها." وقالها: "أعتقد جدك هو اللي هيجاوبك في الجواب ده."
طريق المزرعة كان كله ملفات صعبة وشجر ميت. كمال كان سايق وليلى بتبص من الشباك مش مصدقة. لما وصلوا، البوابة كانت مصدية واليافطة مكتوب عليها "جنينة وادي النخيل" بخط باهت. البيت كان كبير بس مهجور بقاله سنين، تراب في كل حتة ومواسير مكسورة، بس ليلى شافته أجمل بيت في الدنيا لأنه بتاعها.
دخلت البيت ولقت صور قديمة لجدها ولأمها وهي صغيرة. فتحت الجواب ولقت جدها كاتبلها إنه نادم على قسوته مع أمها وإنه سابلها الأرض دي عشان تكون سند
ليها. وحذرها من واحد اسمه "عاصم بيه"، راجل طماع عاوز يسيطر على الأرض بأي تمن. جدها كتبلها: "لو عوزتي تعرفي السر، ابدئي من تحت أقدم شجرة في الجنينة وقت شروق الشمس."
ليلى مكنتش لوحدها، جارتهم "خالة فوزية" وحفيدها "ياسين" ساعدوها. ياسين كان شاب جدع ساعدها في تصليح البيت والكهرباء. فوزية قالت لليلى إن عاصم بيه بيحوم حوالين الأرض دي بقاله سنين وعاوز يشتريها برخص التراب.
عاصم بيه راح لليلى وحاول يغريها بالفلوس عشان تبيع، بس ليلى رفضت وقالتله: "أرض جدي مش للبيع." عاصم هددها إن الأرض دي عليها ديون وهتتسحب منها، بس ليلى متهزتش.
بمساعدة ياسين وفوزية، ليلى راحت عند "الشجرة الأم"، أقدم شجرة في الأرض. حفروا تحتها وللقوا سرداب سري قديم. السرداب ده كان فيه مفاجأة: صناديق فيها "دهب عباس" - مش دهب حقيقي، لكن سلالة نادرة جداً من شجر البرتقال جدها كان مطوره ومخبي بذوره وسر زراعته عشان عاصم مياخدهوش. وكمان لقوا أوراق تثبت إن عاصم بيه كان بيزور ورق عشان يسرق مية الأرض.
ليلى مبعتش الأرض، وبمساعدة محاميها والأوراق اللي لقتها، قدرت تثبت حقها وتدفع الديون من مكافأة خدتها لما السلالة النادرة دي اتسجلت باسمها. الجنينة رجعت تخضر تاني، وليلى اللي كانت بتنام ورا مطعم، بقت صاحبة أكبر مزرعة موالح في المنطقة.

النهاية.

تم نسخ الرابط