عشر سنين ودنيا تانية
جوزي مات بعد شهرين بس من جوازنا. وبعد عشر سنين، كنت لسه قاعدة وبراعي والده المشلول.. واليوم اللي مات فيه، اللي استلمته وقف الدنيا في عيني.
أنا **دنيا**، عايشة في حي هادي وبسيط. جوازي كان قصير لدرجة إني ساعات مابصدقش إني اتجوزت أصلاً. اتجوزنا في صبحية هادية، في مسجد صغير جنب منطقتنا. لا فستان غالي ولا عزومة كبيرة. شوية قرايب، ورد بسيط.. ووعد إننا نفضل مع بعض للأبد.
بس الحياة ماحققتش الوعد ده. جوزي **أحمد** مات في حادثة ميكروباص بعد شهرين بس من فرحنا. لما جالي الخبر، ماعيطتش. كنت قاعدة في طرقة المستشفى، ماسكة التليفون جامد، وعقلي واقف تماماً. قالوا إني فقدت الإحساس من كتر الصدمة، بس الحقيقة الوجع كان أكبر بكتير من إنه يطلع في دموع. الحاجة الوحيدة اللي فاكراها لما الممرضة ادتني محفظته، وصورتنا الصغيرة بتاعة يوم الفرح كانت لسه جواها. الصورة الوحيدة لقصة حب استمرت 62 يوم بس.
بعد الجنازة مارجعتش لبيت أهلي. قررت أفضل مع أبوه، **عم إسماعيل**. كان عنده جلطة قديمة، نص جسمه مابتحركش، والكلام كان صعب عليه. ومن ساعة ما أحمد راح، مابقاش له ونيس في الدنيا. ناس كتير قالوا لي إني لسه
وعشان كدة فضلت. سنة، تلاتة، خمسة.. لحد ما عدت عشر سنين. من بنت في العشرينات لست اتعودت على ريحة الدوا وقلة النوم وتغيير الغيارات وتأكيل "الشوربة" بالمعلقة لواحد مابيقدرش يتحرك. في أيام كنت بتهدّ فيها من التعب وأقعد على الأرض أعيط لوحدي، وبفكر لو أحمد لسه عايش حياتي كانت هتبقى إزاي؟ بس كل ما بشوف عين عم إسماعيل المليانة امتنان كنت بكمل. ماكنش بيعرف يتكلم، بس كان بيضغط على إيدي كأنه بيقول "شكراً يا بنتي". وده كان كفاية عشان أكمل يوم كمان.
لحد ما جه يوم الصبح ومات في هدوء. فضلت قاعدة جنب سريره وقت طويل ومابعيطش، زي يوم ما أحمد مات بالظبط. بعد الجنازة قلت خلاص المشوار انتهى، وبدأت أرتب البيت الصغير اللي كنت "محبوسة" فيه طول شبابي.
لحد ما جه راجل البيت عرف نفسه إنه محامي، وجاي ينفذ وصية عم إسماعيل. قلت له "أنا ماليش صلة قرابة رسمية"، ابتسم وقال "بس إنتي الشخص الوحيد اللي ذكره في وصيته". إيدي كانت بتترعش والمحامي حط قدامي
نفسي انقطع وأنا ماسكة الجواب، الدنيا وقفت بيا في الصالة الصغيرة دي. فتحت الورق ولقيته كاتب: "**دنيا**، لو بتقري الكلام ده يبقى أنا فارقت الدنيا. فيه حاجات كتير ماقلتهاش ليكي طول العشر سنين، مش عشان مش عايز، بس عشان مابقتش قادر. عارف إنك كنتِ بتسألي نفسك كتير إنتي قاعدة ليه؟ وهل فيه حد حاسس بتضحيتك؟ يا بنتي أنا كنت بشوفك كل يوم، وكنت بحس بتعبك ودموعك اللي بتخبيها. عارف الليالي اللي مانمتيهاش، والمرات اللي كنتِ بتمسكي فيها نفسك بالعافية عشان ماتمشيش."
دموعي نزلت وأنا بكمل قراية: "إنتي أطيب حد عرفته، مكنتيش بس مرات ابني، إنتي بقيتي بنتي فعلاً. وفيه حاجة مالحقتش أقولها لك.. أحمد قبل ما يموت كلمني في ليلة وقال لي: يا بابا لو جرالي حاجة أمانة عليك تاخد بالك من دنيا، هي مابتقولش بس هي من النوع اللي بيفضل موجود حتى لو اتوجع."
غمضت عيني وحسيت بوجع في قلبي. كمل الجواب: "أنا مش عايز حياتك تنتهي وإنتي بتراعي راجل عجوز زيي، عشان كدة أنا رتبت كل حاجة من سنين. البيت ده بقى ملكك وباسمك، وفيه محل مخبوزات صغير كنت مأجره، دلوقتي بقى ملكك وسميته
عدت أسابيع، والبيت بقى هادي وساكت. بدأت أخرج لحد ما وصلت للمحل، وإيدي بتترعش وأنا بفتح الباب لأول مرة. ريحة العيش السخن خلتني أبتسم من قلبي. أول يوم عملت شوية عيش بسيط، ودخلت ست عجوزة اشترت وذاقت وقالت لي "تسلم إيدك، طعمه جميل". الكلمة دي أحيت روحي من تاني.
المحل بدأ يتملي ناس وضحك، وأنا بدأت أرجع لنفسي. وفي يوم دخل راجل هادي، قعد في ركن وطلب قهوة. لما رحت أسأله محتاج حاجة، قال لي "لا.. أنا بس حابب أشكرك على المكان ده، فيه دفا وحياة". قلت له بابتسامة "شكراً ليك". بص لي وقال "واضح إنك اتوجعتي كتير.. بس اخترتي تفضلي طيبة.. دلوقتي إنتي فعلاً بتعيشي".
في اللحظة دي عرفت إني مابقتش محبوسة في الماضي، مابقتش الست اللي اتسابت لوحدها، أنا بقيت إنسانة اتعلمت تبدأ من جديد، وأخيراً اختارت تعيش
تمت