فرح على ما تفرج

لمحة نيوز

أول حاجة سمعتها يوم الحد الصبح كانت صوت أمي وهي بتوشوش وبتقول: "كانت كارثة"، وساعتها عرفت إن فرح بنت خالي انهار أخيراً تحت ضغط "الفهلوة" والاسترخاص اللي أمي كانت بتحلف إنه "أحسن" من إنهم يشغلوني معاهم. ما اتحركتش من مكاني، ولا قمت من السرير، ولا حتى انفعلت زي ما أي حد ممكن يعمل؛ فضلت ساكتة وبسمع، وبحاول أستوعب الهدوء اللي جه بعد كلمتها دي. أنا اسمي لورين ويتاكر، عندي 35 سنة، وبدير شركة صغيرة ومحترمة لتنظيم الحفلات بنتها من الصفر على مدار عشر سنين. الأفراح هي ملعبي وتخصصي؛ النظام، التوقيت، التفاصيل اللوجستية.. كل ده لازم يترص بالمللي وإلا الدنيا بتفرط في ثانية. ودي حاجة اتعلمتها بالطريقة الصعبة، بعد ليالي من التعب وعقود فشلت في بداياتي، وسنين من تطوير نظام يمنع بالظبط نوع الكوارث اللي أمي كانت بتوشوش عنها في المطبخ دلوقتي.
المفارقة المضحكة إني من تلات شهور عرضت عليهم أمسك الفرح بنفسي، ومش كبزنس، لا ده كعيلة؛ كنت هعمله بسعر التكلفة من غير ما أكسب مليم، بس عشان أضمن إن كل حاجة تمشي تمام. بس أمي ضحكت، ضحكت بجد وقالت إن الموضوع مش محتاج، وإن الأفراح مش محتاجة "كل التحكم ده"، وقالت إنها هي وخالتي يقدروا يديروا الليلة بنفسهم. "هنخليها بسيطة"، قالتها كأن البساطة دي خطة مش مجازفة. ما جادلتش، وده الجزء اللي فاجئ الكل، انسحبت بهدوء وسبتلهم الليلة. ودلوقتي وأنا نايمة في الهدوء ده وبسمع جملة "كانت كارثة"، فهمت حاجة مهمة جداً: اللي حصل ده ما كانش مفاجأة، ده كان شيء حتمي.
قمت براحة ومشيت ناحية

المطبخ، من غير استعجال ولا انفعال، كنت هادية جداً. كانت أمي واقفة جنب الرخامة وماسكة الموبايل في إيدها، ووطت صوتها أول ما شافتني. سألتها بكل برود: "إيه اللي حصل؟". ترددت.. والتردد ده كان كفاية جداً بالنسبة لي قبل ما تنطق بكلمة. قالت: "الموضوع يعني.. ممشيش زي ما كنا مرتبين". هزيت راسي كأن الرد ده كفاية، مع إني عارفة إنه مش كفاية خالص. لأن الجواز لما "بيمشيش زي ما مترتب له"، مبيقعش مرة واحدة، ده بيتدغدغ حتة حتة، وطريقتها في الكلام أكدت لي إن الحتت دي بدأت تتفرفر فعلاً.
ما ضغطتش عليها في الأسئلة لأني ما كنتش محتاجة تفاصيل عشان أفهم إيه اللي باظ؛ أنا كنت عارفة نقط الضعف من أسابيع لما وروني "الخطة" اللي كانوا فخورين بيها: متعهد أكل رخيص، دي جي "صاحب واحد صاحبنا"، تغيير القاعة في آخر لحظة عشان يوفروا قرشين، وقرارهم إنهم ينظموا كل حاجة بنفسهم بدل ما يأجروا ناس متخصصة. كل قرار من دول كان له تمن، مش تمن مادي، تمن في التنظيم؛ ولما النظام بيفشل في حفلة زي دي، مبيفشلش في هدوء، بيفشل قدام الناس وبشكل يكسف وللأبد. وأمي بدأت تحكي بالراحة، وبدأت تجمع لي حتت من الليلة، وكنت شايفة المشهد قدامي: البوفيه وصل متأخر، الأكل اتقدم بارد، الضيوف استنوا كتير، الدي جي كان بيغلط في الأغاني، المزيكا كانت بتقطع في أسوأ اللحظات، الجدول الزمني باظ خالص، والتوتر زاد مش عشان حد قاصد، بس عشان ما كانش فيه حد مسيطر. وده الفرق بين حفلة ناجحة وحفلة فاشلة: مش المجهود ولا النية، هي "السيطرة"، وهما لغوا السيطرة دي تماماً.

وهي بتحكي ما قاطعتهاش، سبتها تكمل، لأن الناس بتكشف تفاصيل أكتر لما بيحسوا إنهم بيشرحوا مش بيتحقق معاهم. واللي كشفته ما كانش بس إيه اللي باظ، لا ده كان سرعة الانهيار؛ إزاي غلطة جابت غلطة، والتأخير البسيط بقى مشكلة واضحة، والمشكلة بقت فضيحة. ولما قالت في الآخر إن العروسة مشيت بدري، وإن أهل العريس بدأوا يمشوا قبل ما الحفلة تخلص، ساعتها عرفت إن دي مش مجرد غلطة صغيرة، ده كان انهيار كامل. ساندت بضهري على الرخامة في صمت، ما ادتش أي رد فعل ولا صلحت لها معلومة، كنت بس بسمع؛ لأن ده مش فرحي، ودي مش مسؤوليتي، ولأول مرة من سنين سمحت لنفسي أحط حدود واضحة.
لما خلصت كلام، بصت لي بصه مختلفة، كأنها مستنية مني حاجة؛ نصيحة، طمأنينة، أو حل. بس أنا ما ادتهاش أي حاجة من دي، لأن الحقيقة كانت بسيطة: الحل اتعرض عليهم من شهور وهما رفضوه، ولما حاجة بتترفض بالشكل ده، بيبقى ليها عواقب، والعواقب دي مش محتاجة تتصلح، محتاجة تتفهم. ومع مرور اليوم، الرسايل بدأت تهل من القرايب، من الضيوف، ومن الناس اللي حضرت؛ كل واحد بيحكي حكاية مختلفة، بس كلهم بيوصلوا لنفس النتيجة: ده ما كانش مجرد فرح وحش، ده كان فشل الكل هيفضل فاكره.
ساعتها بنت خالي كلمتني، صوتها كان مهزوز وهي بتسأل المفروض تعمل إيه دلوقتي، وإزاي تصلح اللي حصل. سمعتها في هدوء قبل ما أرد، مش كواحدة من العيلة، لكن كحد فاهم هي بتواجه إيه بالظبط. والرد كان بسيط: "انتي ما تقدريش تصلحي حاجة الناس شافتها خلاص، انتي بس تقدري تتحكمي في اللي هيحصل بعد كده".
أنا ما علتش صوتي
لما أمي سألتني في الآخر ليه ما قلتش حاجة من بدري، لأن الحقيقة إني كنت قلت، بس هما ما كانوش عايزين يسمعوا. وفيه فرق كبير بين إنك ما تتسمعش، وبين إنك يتم تجاهلك؛ ولما بتفهم الفرق ده، بتبطل تكرر نفسك. ومع الوقت، الحقيقة المرة ظهرت أسرع مما الكل يتوقع: القاعة رفضت ترجع جزء من الفلوس، متعهد الأكل رما اللوم على المواعيد، والدي جي تهرب من المسؤولية؛ كل حد شارك بدأ يرمي اللوم على التاني. وساعتها بقى الموقف واضح بكل تقله: من غير نظام مفيش محاسبة، فيه بس لخبطة، واللخبطة بتنتشر بسرعة.
لما بنت خالي طلبت مني أساعدها أرمم اللي انكسر، ما قلتش "لأ" في ساعتها، سكت شوية، مش تردد بس عشان أبقى واضحة مع نفسي؛ لأن دخولي دلوقتي معناه إني هتحمل نتيجة قرارات أنا ما خدتهاش، وده فخ وقعت فيه كتير قبل كده. ولما رديت، كان صوتي هادي: "أقدر أساعدك تبدأي من جديد، بس مش هصلح اللي فات". والجملة دي كان ليها معنى كبير، لأني مش هرجع للدور اللي هما رفضوه، أنا بحدد دور جديد لنفسي. السكوت اللي حصل بعد كلامي عرفني إنهم فهموا الفرق، حتى لو ما عجبهمش. وأنا واقفة في المطبخ الهادي ده، استوعبت حاجة كان لازم أفهمها من سنين: إنك تكون شاطر ومتمكن مش معناه إنك مسؤول عن كل حاجة، وإنك تكون صح مش معناه إنك مضطر تثبت ده، خصوصاً لما الناس تختار بإرادتها إنها ما تسمعلكش.
لو كنت مكاني وشفت حاجة كان ممكن تمنعها وهي بتبوظ قدامك بالظبط زي ما توقعت، كنت هتدخل برضه وتنقذهم؟ ولا كنت هتعمل زيي وتستنى النتيجة تعلمهم اللي كلامك ما عرفش يعلمهولهم؟

 

تم نسخ الرابط