خمس سنين تأخير

لمحة نيوز

محمود رسلان كان من نوعية الرجالة اللي عندهم كل حاجة: الفلوس، والشهرة، واحترام كل الناس في مصر. لكن من جواه، كان عايش في عذاب بسبب حاجة مفيش مال في الدنيا يقدر يمسحها: غلطة من الماضي.
في الصبح ده، كان بيجهز نفسه لزيارة تانية من زياراته الخيرية. البدلة كانت على الشعرة، والابتسامة مرسومة ومدروسة، والصحفيين كانوا مستنيينه برا. "يا محمود بيه، العربية جاهزة. دار أيتام (نور الحياة) مستنيين حضرتك الساعة حداشر،" ده اللي بلغه بيه المساعد بتاعه. ريكاردو سأل وهو عارف الإجابة: "وقيمة التبرع المرة دي كام؟" رد المساعد: "تلاتة مليون جنيه، عشان المبنى التعليمي الجديد." رد محمود ببرود: "تمام."
بس من جواه، ماكنش حاسس بأي فخر — كان مجرد فراغ. والعربية ماشية في شوارع القاهرة، عقله سَرَح بيه ورجعه لشقة صغيرة من خمس سنين فاتوا، ولصوت ست كانت بتترعش وهي بتقول: "محمود... أنا حامل." ليلتها، هو أداها ضهره ومشي وما رجعش تاني أبداً. فكر في البريستيج، في اسم عيلته، وفي كلام والده الله يرحمه إن الراجل القوي ما يهدش حياته ومستقبله عشان غلطة أو نزوة. ساب لها فلوس على الترابيزة وكأنه بيشتري

ضميره، وخرج من غير ما يبص وراه وهي بتعيط في سكات.
أول ما وصل دار الأيتام، الكاميرات والفلاشات كانت في كل حتة حواليه. كان بيسلم ويشاور بإيديه آلياً، وهو ملاحظ نظرات الأطفال اللي كانوا مترتبين ومستنيينه بفضول. وفجأة، واحدة منهم — طفلة شعرها كيرلي وعينيها واسعة — سابت إيد المشرفة وجريت عليه بكل قوتها وصرخت بصوت كله أمل: "بابا!"
السكوت حلّ على المكان كله. المصورين نزلوا كاميراتهم، ومديرة الدار، الحاجة زينب، وشها جاب ألوان وقربت بسرعة: "ليلى.. سيبي عمو يا حبيبتي، ما ينفعش كدة." بس البنت صممت وشبطت في رجله أكتر وهي بتبكي: "لأ.. هو ده بابا، هو رجع خلاص." محمود حس ريقه نشف، مش عشان الفضيحة ولا الكاميرات، بس عشان لأول مرة من سنين، ذكرى الليلة دي رجعت كاملة قدام عينيه. البنت دي فيها كتير من ملامح "هناء"، الست اللي رماها من خمس سنين.
محمود سألها بصوت مرعوش: "إنتي اسمك إيه؟" ردت البنت وهي وشها منور: "ليلى هناء رسلان." الدنيا لفت بمحمود. الاسم، واسم الأم، وحتى لقب عيلته هو! سأل الحاجة زينب بحدة: "عايز أعرف كل حاجة حالا." دخلوا المكتب وقفلوه عليهم، محمود والحاجة زينب والبنت
ومحامي الدار.
الحاجة زينب قالت بأسى: "البنت جات هنا من حداشر شهر. والدتها اتوفت في مستشفى عام بعد صراع مع المرض، وقبل ما تقابل وجه كريم، سابت جواب ليك يا محمود بيه." طلعت جواب أصفر قديم، ومحمود عرف الخط فوراً.. خط هناء. فتح الجواب وهو إيده بتترعش وقرأ: "محمود.. لو بتقرأ ده، يبقى أنا خلاص عند اللي خلقني. مش بطلب منك حاجة لنفسي، أنا بطلب عشان بنتنا. أيوة، بنتك. عمري ما دورت عليك لأني عرفت قيمتنا عندك من أول ليلة، ربيتها لوحدي بشرفي لحد ما جسمي ما بقاش قادر. ما رضيتش أكبر بنتي في ذل، بس دلوقتي ماليش غيرك.. ما تضيعش ليلى زي ما ضيعتني."
المحامي طلع ورق رسمي، شهادة ميلاد وتحليل DNA كانت هناء عملته للبنت وهي عندها 8 شهور عشان تحفظ حقها بس عمرها ما استخدمته. ليلى قربت من محمود وسألته ببراءة: "إنت لسه زعلان مني؟" محمود استغرب: "زعلان منك ليه يا بنتي؟" قالت له: "ماما كانت بتقول إن الكبار بيتأخروا لما بيبقوا زعلانين أو خايفين."
الجملة دي قطعت قلبه. اكتشف إنه ما سابش هناء بس، ده ساب بنته لخيالها يصور لها إن أبوها "تأخر" بس عشان خايف أو زعلان، مش لإنه هرب. ليلى رفعت إيديها
عشان يشيلها، محمود تردد.. مش رفضاً، بس حاسس إنه ما يستاهلش يلمسها. بس في الآخر شالها، وحس إن وزنها أخف بكتير من ذنبه اللي شاله سنين.
برا المكتب، الصحفيين كانوا بيخبطوا وعايزين رد. الحاجة زينب قالت: "لازم نقرر هنعمل إيه، الموضوع هيبقى تريند في دقايق." محمود بص لليلى اللي نامت على كتفه من كتر التعب، وبص لجواب هناء، وقال بصوت قوي لأول مرة: "مش هخبيها." المحامي استغرب: "إزاي يا فندم؟"
محمود كمل: "هتعملوا كل الإجراءات القانونية، وهعترف بيها رسمي النهاردة قبل بكرة. ولو عايزين كاميرات، خليهم يصوروا، بس مش عشان تبرع بفلوس، عشان يسمعوا الحقيقة اللي كان لازم تتقال من خمس سنين."
خرج محمود شايل بنته على كتفه، والجواب في جيبه. الفلاشات ضربت والميكروفونات اتمدت، بس قبل ما حد يسأل، هو اللي اتكلم. اعترف قدام الكل إن دي بنته، وإنه غلط في حق أمها، وإنه مش جاي يتبرع بفلوس عشان يلمع صورته، هو جاي يسدد أغلى دين في رقابته.
وقف محمود تحت شمس الظهر وهو شايل بنته، وعارف إن اللي عمله مش هيمسح اللي فات، بس على الأقل، ولأول مرة، حس إنه راجل بجد، وإنه رغم إنه وصل متأخر خمس سنين.. بس أخيراً
وصل.

تم نسخ الرابط