حماتي واخت جوزي
تلات سنين وقت طويل أوي عشان يتقال عليه "فترة مؤقتة لحد ما الأمور تظبط"، بس ده كان الكلام اللي الكل بيحب يسمعه عشان يريح ضميره. حماتي، ست "فاتن"، وبنتها "نورا" جم بشنط صغيرة وكلمتين شكر، ومن غير ما حد يحس، بقوا جزء من تفاصيل الشقة.. كوبياتهم على الحوض، شامبوهاتهم مالية الحمام، وأصواتهم طالعة من الصالة قبل حتى ما أشرب أول بق قهوة الصبح. ولأن الحياة بتسرقنا، ولأن الروتين بيخلينا ننسى الوعود، سكت وسبت المركب تمشي.
الشقة دي ملكي من قبل ما أتجوز.. ورثتها عن أهلي واسمي أنا اللي على العقد. مرتبي هو اللي بيدفع القسط، والمرافق، والإنترنت، وطلبات السوبر ماركت، وحتى الوافل اللي ابني "يونس" بيحبه، وأكياس الأكل "الدليفري" في الليالي اللي بنكون فيها تعبانين ومحدش له نفس يطبخ. كنت شايفة المصاريف طبعاً، بس كنت بقول لنفسي "بلاش نفتح مواضيع تنكد علينا". ودي الطريقة اللي "قلة الأصل" بتعيش بيها
اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه كان يوم عادي جداً. البيبي سيتر اعتذرت، وكان عندي اجتماع "أونلاين" مهم مقدرش أجله. ابني كان لابس كوتشيه الصغير، وماسك علبة السناك بتاعته، وسألت حماتي بمنتهى العشم: "ممكن بس تخلي بالك منه نص ساعة؟". رفعت عينها من الموبايل، بصت لي ثانية، وقالت بمنتهى البرود: "5000 جنيه". مردتش وقتها.. الغسالة كانت شغالة، وصوت عربية بره، وأنا مستنية تضحك وتقول "بهرج معاكي". بس الضحكة مجاتش. سألتها: "5000 جنيه؟". قالت لي: "وقتي مش ببلاش".
بس كده. لا اعتذار، ولا ضحكة صفراء، ولا حتى حاولت تلطف الكلمة. رقم ورمته في وشي كأنه حقيقة كونية. بليل، حكيت لجوزي "هاني" اللي حصل بالظبط.. من غير دراما ولا زواق. حكيت ببرود لأني كنت فاكرة إن الحقيقة واضحة كفاية إنها تخليه يفوق ويشوف العك اللي عايشين فيه. بدل ما يتصدم،
في لحظات في الجواز، البيت مبيتهدش بصوت عالي.. هو بس بيبقى "تلق" في حتة معينة. قالها بمنتهى البساطة لدرجة إني خدت وقت عشان أستوعب كلامه أكتر من صدمتي في أمه. الجملة كانت واضحة كفاية إنها تعيد ترتيب ذكريات تلات سنين في ثواني. مجادلتش، ولا دافعت عن نفسي.
تاني يوم الصبح، بعد ما نزلت ابني، رحت مكتب إدارة العمارة ومعايا مفاتيحي وهدوء مشفتوش من شهور. الموظفة طلعت الملف، وسألتني كام سؤال، وبدأت تشرح لي قوانين "إقامة الزوار" بنفس النبرة المحايدة اللي بتخلي القوانين تتحول لواقع مر في ثواني. وأنا طالعة في الأسانسير، الورقة اللي في إيدي كانت خفيفة.. بس السكوت اللي كان مستنيني ورا باب شقتي.. كان تقيل أوي.
فتحت باب الشقة بالمفتاح، وحسيت فجأة إن الهوا جوه تقيل.. ريحة طبيخ حماتي، وصوت التليفزيون العالي اللي أخت جوزي "نورا" فاتحاه على
حماتي فاتن خرجت من المطبخ وهي بتمسح إيدها في فوطة المطبخ وقالت بنبرة فيها تعالي: "أيوة يا بنتي، أنا ضيعت وقتي وصحتي في بيتك تلات سنين، وجه الوقت اللي أتحصل فيه على تعبي.. ومتقلقيش، نورا بنتي كمان هتاخد فلوس لو فكرتي تخليها تذاكر للواد، أصل مجهودها غالي."
سحبت كرسي وقعدت قدامهم، حطيت شنطتي والورقة اللي من الإدارة في نص السفرة. ساد سكوت غريب.. بصيت لهاني وقلت له: "تصدق يا هاني.. عندك حق. الحق حق، والأرقام مابتكدبش. وعشان كدة أنا رحت النهاردة عملت (جرد) لتلات سنين