حبسوني وذلوني لكني انتقمت

لمحة نيوز

بعد تلات سنين من الذل المكتوم، الليلة دي كانت النهاية. "سوزان ميلر"، حماتي، كانت واقفة فوق راسي وماسكة النشابة الخشب اللي ورثتها عن أمها وبتعاملها كأنها أثر مقدس، وبكل غل نزلت بيها للمرة التالتة على قصبة رجلي الشمال. سمعت صوت "طرقعة" حادة، صوت عضمي وهو بيفارق بعضه، ولثانية واحدة مكنتش مصدقة، افتكرت الصوت جاي من طبق اتكسر في الحوض.. لغاية ما الوجع وصل، وجع أبيض، عنيف، خلاني أشوف الدنيا بتلف ونور فضي بيضرب في عيني.
وقعت على السيراميك، خدي لمس البلاط الساقع، وريحة الكلور والبصل المحروق خنقت صدري، وسوزان كانت بتنهج من كتر المجهود والغل، والروج بتاعها كان سايح حوالين بقها بشكل مرعب، وبتقولي بقمة الاحتقار: "إزاي تتجرئي تقولي إن أكلي مالح؟ تلات سنين في العيلة دي ولسه بتتعاملي كأنك برنسيسة جاية من كاليفورنيا!". جنبها كان حمايا "روبرت"، واقف مربع إيده بجبنه المعتاد، بيبص لي بنظرة تعبانة كأنه بيقول "يا ريتك سكتي عشان مصدعناش".
فجأة ظهر "جيك"، جوزي، الراجل اللي ركع على ركبته من تلات سنين تحت شجر جامعة ستانفورد ووعدني إنه هيحميني بروحه، وقف في مدخل المطبخ لابس

تيشيرت رمادي وبنطلون بيت، وبص لي بقمة البرود وقال: "إيه تاني؟". قلت له وأنا بتخنق من الوجع: "جيك.. إلحقني.. رجلي اتكسرت"، بص لرجلي، شاف الورم اللي بدأ يظهر والزاوية الغلط اللي واخدها العضم، ومع ذلك متهزش، نزل على ركبته، مش عشان يشيلني، لا.. ده مسك دقني بقسوة ورفع وشي لوشه وقال بصوت واطي ومرعب: "كام مرة قلت لك بطلي تستفزيهم؟ رجليكي انكسرت خلاص؟ يمكن دلوقتي تتعلمي الأدب.. مش هنروح المستشفى دلوقتي، هناخدك بكرة."
سابني وخرج يكمل سهرته مع أهله، وأمه سوزان ضحكت وهي بتقول: "بتاعة عُقر مابتخلفش وكمان بتبجح". الليلة دي كانت أطول ليلة في عمري، كنت مرمية على الأرض، سامعة صوت المعالق والشوك وهما بيتعشوا "باربكيو"، وسامعة ضحك جيك مع أهله وهما بيتفرجوا على فيلم حرب. الوجع كان بيتحول لتنميل مرعب، وعرفت إني لو استنيت للصبح ممكن أخسر رجلي للأبد. في اللحظة دي، الغريزة صحيت جوايا، زحفت ببطء قاتل، كل حركة كانت بتمزق في جسمي، لغاية ما وصلت لدرج الكراكيب، طلعت "فتاحة علب" مصدية، وبدأت أحفر في خشب الشباك الصغير اللي فوق الباب، ضوافري اتكسرت وإيدي نزفت، بس في الآخر الشباك
فتح، رميت نفسي من فوق، وقعت على نجيله الجنينة المبلولة، وزحفت لغاية بيت جارتنا "مدام بيترسون" اللي أول ما شافتني، صرخت بهمس: "يا ساتر يا رب.. المجرمين دول عملوها فيكي أخيراً!".
بعد تلات أيام من الجراحة وتركيب الشرايح والمسامير، نسايبي شرفوا المستشفى، دخلوا أوضتي رقم 304 وهما راسمين الضحكة الصفراء ومعاهم سبت فاكهة عشان يمثلوا دور العيلة المصدومة قدام الناس، بس اتفاجئوا بالسرير فاضي! جيك راح للممرضة "ماريا" بمنتهى البجاحة وقال لها: "مراتي فين؟ أنا جوزها وقلقان عليها"، ماريا بصت له بقرف وقالت له: "المريضة طلبت حماية خصوصيتها واتنقلت لمكان تاني"، سوزان دخلت في الكلام بزعيق: "خصوصية إيه؟ دي بنتنا وهي اللي وقعت عشان مهملة!". هنا ظهر الدكتور "تشن"، وبصوت عالي سمع الطرقة كلها قال: "يا مدام، إصابة المريضة عبارة عن كسر مضاعف ناتج عن ضربة بآلة حادة، مش وقعة أبداً، والمريضة وصفت لي حالات عنف منزلي وتجويع ومنع من الحركة، وإحنا بلغنا الشرطة."
الناس في الطرقة بدأت تتلم وتشاور عليهم بكلمة واحدة: "وحوش"، وجيك سحب أهله وهربوا والناس بتصورهم بالموبايلات. اللعبة مخلصتش
هنا، المحامي بتاعي "ديفيد" جاب لي مفاجأة قلبت الموازين، "باتريشيا"، عمة جيك، جابت لنا تليفون قديم لجيك عليه بلاوي، لقينا تسجيلات صوتية ليهم وهما بيخططوا إزاي يسيطروا على مرتب شركتي اللي بشتغل فيها "أونلاين"، وتسجيل لليلة المطبخ وهما بيضحكوا وأنا بصوت من الوجع. جيك اتجنن، اتطرد من شغله، والشرطة بدأت تحاصره، حاول يدخل لي المستشفى بليل بسكين عشان يخلص عليا وهو بيصرخ: "أنتي دمرتيني!".. بس كنت عاملة حسابي، الأمن مسكه متلبس وبقت قضية "شروع في قتل".
النهاية كانت حاسمة، جيك خد 7 سنين سجن مشدد بتهمة الشروع في القتل والعنف المنزلي، وسوزان جالها جلطة تانية وشلل حقيقي المرة دي، واترمت في دار رعاية لأن مفيش حد بقى طايقها، وروبرت خسر البيت والفلوس اللي سرقوها مني وبقى وحيد ومنبوذ. أنا دلوقتي عايشة في شقة جديدة، الشمس بتدخلها كل يوم، رجلي خفت والندبة اللي في رقبتي بقت علامة فخر ليا إني "ناجية" مش "ضحية"، اتعلمت إن العضم المكسور لما بيلم بيبقى أقوى حتة في الجسم، وأنا فعلاً بقيت أقوى من أي وقت فات. نسايبي خسروا كل حاجة، وأنا كسبت حياتي ونفسي، وده أهم انتقام في الدنيا.

تمت

تم نسخ الرابط